غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لو بقيتُ في السجن لكان أهون من هذه الأخبار"؛ بهذه الجملة المقتضبة يلخّص الأسير المحرر عمر أبو مهادي لحظة خروجه إلى الحرية من سجون الاحتلال الإسرائيلي. لحظةٌ لم تكن خلاصًا كما يُفترض، بل بداية صدمة لم يكن مهيأً لها، ولا يملك لها لغة سوى هذا الاعتراف القاسي.
في يناير/كانون الثاني 2026م، أفرجت قوات الاحتلال بصورة مفاجئة عن تسعة أسرى فلسطينيين من قطاع غزة. كان عمر واحدًا منهم.
خرَجَ بعد 425 يومًا من الاعتقال، قضاها معزولًا تمامًا عن العالم الخارجي، بلا أخبار، بلا راديو، بلا رسائل، وبلا أي خيط يربطه بما جرى لعائلته أو لغزة، أو حتى بما إذا كانت الحرب قد وضعت أوزارها أم لا.
يقول: "الأيام في السجن كانت متشابهة، قاسية، لكنها مفهومة في قسوتها. أما المجهول، فكان هو الخوف الحقيقي".
منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، ظلّ مقطوعًا عن عائلته كليًا.. لم يكن يعرف ما الذي أصاب منزلهم، ولا الحي، ولا الجيران، ولا إن كان ثمة بيت أصلًا ما يزال قائمًا هناك.
في بداية اعتقاله، كان والده معتقلًا معه في المكان ذاته. يتذكر تلك الفترة القصيرة بوصفها عزاءً هشًا داخل بيئة تُجرّد الأسرى من كل شيء، حتى من الشعور بالزمن. لم يدم ذلك طويلًا؛ فُصل عن والده، ثم انقطعت أخباره تمامًا.
في سجون الاحتلال، لا يُسمح للأسرى بمتابعة الأخبار، ونادرًا ما يلتقون بمحامين، وقد تصلهم معلومة واحدة مصادفة، كما حدث مع عمر حين علم أن والده أُفرج عنه ضمن صفقةٍ في يناير/كانون الثاني 2025م.
تمسّك بهذه الرواية، وبنى عليها أملًا صامتًا. تخيّل والده وقد عاد إلى البيت، ينتظره، وربما والدته إلى جواره.
آمن بأن عذاب السجن قد انتهى بالنسبة لوالده على الأقل، وأن ثمة حياة ما تزال محفوظة له في الخارج.
"الحرمان من المعرفة هو أحد أقسى أشكال العقاب التي يتعرض لها الأسرى؛ أن يُترك الإنسان معلّقًا بين الأمل والقلق، بلا يقين، وبلا قدرة حتى على الاستعداد للأسوأ".
يضيف: "الحرمان من المعرفة هو أحد أقسى أشكال العقاب التي يتعرض لها الأسرى؛ أن يُترك الإنسان معلّقًا بين الأمل والقلق، بلا يقين، وبلا قدرة حتى على الاستعداد للأسوأ".
عند الإفراج عنه، وفّر الصليب الأحمر للأسرى هاتفًا قبل وصولهم إلى قطاع غزة. أجرى عمر أول اتصال بعائلته، فردّت زوجته. لم يكن صوتها كما توقّع، سألها مباشرة عن والدته، ليأتيه الرد مرتبكًا وغامضًا: "عندما تصل سأخبرك".
تلك العبارة، كما يصف، كانت أول إنذار حقيقي شعر به منذ خروجه.. طوال الطريق، راح يرسم في ذهنه مشاهد بسيطة للقاء أمه: باب يُفتح، حضن متأخر، دموعٌ صامتة.
لم يخطر بباله أن المفاجأة ستكون بهذا الحجم، ولا أن الأمل الذي تمسّك به سيتحوّل إلى عبء ثقيل.
عند وصوله، أعاد السؤال: "ماذا حدث لأمي؟" فقالت له زوجته: "استشهدت". سأل عن والده، فجاءه الجواب ذاته، ثم سأل عن إخوته، فكان الرد نفسه، بلا استثناء.
عند وصوله، أعاد السؤال: "ماذا حدث لأمي؟" تقول زوجته، بحسب روايته، إنها كانت خائفة من إخباره، ثم قالت له إن والدته استشهدت.
سأل عن والده، فجاءه الجواب ذاته، ثم سأل عن إخوته، فكان الرد نفسه، بلا استثناء.
المنزل الذي كانت العائلة مجتمعة فيه تعرّض للقصف. والده، ووالدته، وإخوته، وزوجاتهم، وأطفالهم؛ جميعهم استشهدوا في المكان ذاته.
يحكي بصوتٍ مُثقل كيف كان أبناء إخوته بعمر العام والعامين. لم تتح له فرصة أن يراهم، أو أن يعرفهم، أو حتى أن يحمل أسماءهم في ذاكرته، فقد سبقتهُ الإبادة إلى كل شيء.
فرّق الموت بين عمر وعائلته. خرج من السجن ليجد أن العالم الذي تركه لم يعد موجودًا! قد لا يكون أول أسير يخرج إلى هذا الفراغ، لكن تجربته تكشف وجهًا خفيًا من معاناة الأسرى الفلسطينيين: أولئك الذين ينجون بأجسادهم من السجون، ليصطدموا بحقيقة أشد قسوة، حيث لا أحد بانتظارهم، ولا بيت يعودون إليه، ولا حياة تشبه ما تركوه في غزة.
