غزة.. مواليد "مُشوّهة" وقلوب أمهاتٍ فاضت بالحسرة
تاريخ النشر : 2026-02-02 08:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"طفلة بلا عينان ودون أنفٍ وفم" خبرٌ نزلَ كالصاعقة على قلب والدة الطفلة حكمة نوفل. الأم التي لم يسبق لها أن أنجبت طفلاً بتشوّهٍ خلقي، بمجرد أن علمت بفاجعتها انهارت باكيةً، وقد شخَّص الأطباء الطفلة بـ"الشفّة الأرنبية"، وهي من الحالات المصنّفة بـ"النادرة" لمواليد الحرب، كما تقول.

في القطاع المحاصر، أصبحَ دعاء الأمهات أن ينجبن أطفالهن بِـ"خلقةٍ تامة" أكثر من أي وقتٍ مضى، فعلى مدار عامين حملت بطونهن الأجنة، وعِشن مآسي الحرب واحدةً تلو الأخرى، ولكن لا ألمَ يعادل ألمَ امرأةٍ يباغتها المخاض ثم يُولد ابنها بـ"تشوهٍ مخيف".

فترةٌ قاسية عاشتها والدة حكمة في شهور حملها، بدءًا من عدم توفر مراكز رعاية صحية وأدوية، وليس انتهاءً بالقصف والنزوح والمجاعة، كل ذلك أثرَّ سلباً على وليدتها.

تقول الأم بصوتٍ فقدَت صاحبته الرغبةَ في الحياة: "عندما نزحنا مشينا مسافات طويلة تحت صلياتٍ من الرصاص والقذائف، من شدة الرعب كنت أسقط وأعاود النهوض بصعوبة".

أما المجاعة، فتلك كارثةٌ أخرى. كانت تنام ليالٍ طويلة ويُسمع لمعدتها صوت قرقرة، متمنيةً حينها "كسرة خبز" تُقيتها، وفق قولها.

ومن المؤسف أن ركضها بين أزقة المستشفيات ذهب سُدىً، خاصةً بعد انهيار المنظومة الصحية وانعدام العلاج والأجهزة الطبية اللازمة لفحصها.

في خيمة النزوح، تحكي عن جزءٍ صغير من المعاناة التي ذاقتها لـ "نوى": "أخبرَنا الأطباء أنه لا بد من إجراء عمليات جراحية بدءاً من عمرِ ثلاثة شهور وحتى 18 عاماً، لكن الخبرات الطبيبة المختصة بهذا النوع من الحالات لا تتواجد في غزة، إضافة إلى الافتقار للأدوية".

بدموع القهر، تتذكر ذلك اليوم الذي فارقت فيه صغيرتها الحياة: "فجأةً، لم تعد ابنتي حكمة تعطي أي ردة فعل، كل الفحوصات نتائجها سيئة، مع ضعفٍ حاد في مناعتها".

 فيما اللحظة الأخيرة لا تُنسى، أطعمتها والدتها الحليب بواسطة أنبوبٍ ممتد من الحلق حتى المعدة، وحينها شهقت شهقة الموت.

تنهي الحديث بأمنية واحدة: "ليُفتح معبر رفح من أجل إجلاء كل المرضى، حتى لا يتجرع أحدٌ الحسرة على فلذة كبده مثلي".

السفر للعلاج الحل الوحيد

لم تقتصر آثار الحرب الكارثية على مواليدها فحسب، بل طالت أطفالاً ليس لديهم مشاكل صحية سابقاً، بسبب أطنان المتفجرات التي ألقاها الاحتلال، ومنهم الطفلة زينة كباجة ذات الخمسة أعوام، التي ظهرت في منتصف رأسها بقعةٌ كبيرة يراوح طولها وعرضها أكثر من عشرة سنتيمترات، لا ينمو فيها الشعر، وقد وصف الأطباءُ حالتها بتشوّهٍ خلقي لا علاجَ له في مستشفيات غزة.

يتحدث والدها لـ"نوى": "أخبرني الأطباء أنها بحاجة لعملياتٍ جراحية عاجلة لزراعة الشعر، وذلك قبل أن يكتمل نموها وتبلغ ثمانية عشر عاماً"، لكن مع انهيار المنظومة الصحية يجد الرجل نفسه ضائعاً لا يدري أين يذهب، "ولا حلَّ إلا السفر"، يقول.

وعن أثر هذا الوضع على حالتها النفسية، يبدو الأب حزيناً وهو يضيف: "ترفض ابنتي الخروج للعب كبقية الأطفال، خوفاً من أن يتنمر أحدهم عليها بألفاظ جارحة".

يصمت قليلاً ثم يكمل: "يناديها الصغار بـ"القرعة"، ما يدفعها للبقاء حبيسة الغرفة ولا تجف دمعتها".

لا يفارق لسان زينة سؤالٌ تُلّح به على والديها: "ليش ما إلي شعر زي خواتي؟"، لكنهما يعجزان عن الإجابة، ثم ما يلبث أن يحتويها أبوها قائلاً: "حبيبتي يا بابا، عندما يُفتح معبر رفح سنسافر معاً للعلاج".

ولا يفارق لسان زينة سؤالٌ تُلّح به على والديها: "ليش ما إلي شعر زي خواتي؟"، لكنهما يعجزان عن الإجابة، ثم ما يلبث أن يحتويها أبوها قائلاً: "حبيبتي يا بابا، عندما يُفتح معبر رفح سنسافر معاً للعلاج، وسيطول شَعرك كالأميرات".

مساعٍ كثيرة لم تتوقف لدى والد زينة لإنقاذ مستقبلها، إذ تمكّن من الوصول لأطباءٍ في تركيا، الذين بدورهم أفادوا أن العلاج يتوفر في مستشفياتها، ما يستدعي تكثيف الجهود لإجلائها، من أجل إجراء العمليات الجراحية اللازمة.

وبناءً عليه، كل ما يملكه والد الطفلة، مناشدة الجهات المسؤولة بالسماح لطفلته بالسفر لتتلقى علاجها في الخارج.

ارتفاع غير مسبوق

"ثلاثمائة وخمسة عشر مولوداً بتشوهات خلقية في عام 2025 فقط، وحالات أخرى مصابة لم تُرصد بسبب انهيار المنظومة الصحية"، بهذه الصورة القاتمة، يختصر الوضع زاهر الوحيدي مدير قسم المعلومات في وزارة الصحة.

ويضيف الوحيدي لـ"نوى": "لم نكن نملك الإمكانات اللازمة لفحص الأطفال المواليد وغيرهم، بسبب اقتحام الاحتلال مستشفى الشفاء والرنتيسي، وفقدان جميع الملفات والأجهزة التشخيصية"، لافتاً إلى أن حالات التشوهات الخلقية تشهد ارتفاعاً غير مسبوق بلغ 60 في المئة عن الوضع الطبيعي.

ويعقّب بأسف: "هذه الحالات لم تُوجد بالنِسب المذكورة قبل الحرب".

وفي سياق حديثه، لفت إلى أن 4900 طفل وُلدوا بأوزانٍ غير طبيعية، إلى جانب أربعة آلاف حالة ولادة مبكرة، فيما تُوفي 450 طفلاً بعد ولادتهم مباشرةً، جرّاء إصابتهم بعديد من الأمراض.

وحسبما يقول الوحيدي، فإن التشوهات الخلقية للمواليد تُعزى إلى استنشاق النساء الغازات المنبعثة من الصواريخ الفتاكة، وكذلك سوء التغذية والمجاعة، ناهيك عن انتشار مياه الصرف الصحي، وانعدام النظافة، والأوضاع المزرية في الخيام.