غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وقف المزارع محمد المدهون (45 عامًا) أمام أرضه في بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، كأنما يودع جسدًا غائبًا عن الحياة.
سنوات من التعب والأمل كانت مغروسةً في تراب الأرض التي كانت مصدر رزقه الوحيد وموطن أحلامه. ذهب ليتفقدها بعد إعلان وقف إطلاق النار، يحمل بين كفيه رغبة لا تنكسر في إعادة الحياة إليها، رغم الدمار الهائل الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على مدار عامين من الإبادة.
"قلت لنفسي الحرب انتهت: خليني أرجع أزرع وأعيش"، أخبَر "نوى"، مشيرًا إلى أنه بدأ بترتيب حياته على هذا الأساس. باع مصاغ زوجته وحفر بئرًا للمياه بتكلفة 8000 دولار، بعد أن دُمرت شبكات المياه بفعل القصف، في محاولة يائسة لتأمين الري لمحاصيله من الخيار والفلفل الأخضر التي لطالما دعمت أسرته المكونة من سبعة أفراد.

لم تمر أيام حتى بدأت الشتلات تذبل واحدة تلو الأخرى. كان المدهون يرويها يوميًا، يراقبها بعين المزارع الذي يعرف كل واحدة منها متى ستكبُر، لكن الأرض لم تعد تنبض بالحياة. "كأنها أرض مسمومة"، هكذا وصفها، حينها أدرك أن خطبًا ما قد حدث لتربة أرضه، وأن القصف لم يقتصر على تدمير البنى التحتية بل امتد إلى صميم خصوبة الأرض.
حاول المدهون استشارة مهندس زراعي، فأخبره أن التربة ربما تكون ملوثة ببقايا مواد سامة، وأنها بحاجة لفحص مخبري طويل وعلاج دقيق قبل أن تعود صالحة للزراعة.
حتى الآن، لم يجد المدهون حلًا لأرضه. يقف على حافة الإفلاس، وقد خسر ما تبقى من مدخراته، وتهشمت آماله بأن تسترد أرضه خضرتها من جديد. "أنا مش خسران موسم.. أنا خسران مستقبل"، قالها وهو ينظر إلى تراب أرضه بنظرة فقدٍ عميق.
الفاو: شهدت الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية في غزة تزايدًا مستمرًا طوال عام 2025م، حيث ارتفعت من حوالي 80% في أبريل، إلى 86% في يوليو، ووصلت إلى 87% في أواخر سبتمبر.
وبحسب تحليل جديد، أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات)، فقد شهدت الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية في غزة تزايدًا مستمرًا طوال عام 2025م، حيث ارتفعت من حوالي 80% في نيسان/أبريل، إلى 86% في تموز/يوليو، ووصلت إلى 87% في أواخر أيلول/سبتمبر.
ووفق التحليل، فإن الأضرار التي لحقت بالآبار الزراعية، وهي حيوية للري، تفاقمت من 83% في نيسان/أبريل، إلى ما يقرب 87% في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، مما أثر بشكل أكبر على قدرة غزة على استدامة إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية.
المأساة التي يعيشها المدهون، عاشها المزارع عبد الحميد المبيض (52 عامًا) قبل إعلان الهدنة "الهشة" بكثير، حين أيقن أن أرضه تُحتضر، عندما حاول إعادة إحيائها شرقي مدينة النصيرات في مطلع فبراير 2025م -تحديدًا بعد إعلان وقف إطلاق النار الأول بين "حماس" و"إسرائيل" في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير 2025م، وباءت مساعيه بالفشل.
نقص المياه، وعدم توفر البذور، وتدمير المعدات، كلها تحديات واجهته في محاولته لاستئناف حياته كما كانت قبل الحرب.
"استطعت حفر بئر مياه بمساعدة جيراني، واستزراع بذور محلية قديمة، واعتمدت على أدوات يدوية بدلًا من الآلات التي دُمرت، وزرعت أول محصول لي من البندورة"، يقول، لكنه سرعان ما اكتشف أن الأرض لا تزال حاملة للذكرى السامة للقصف.

ما إن بدأ بحراثة الأرض، حتى اصطدمت أداة الحرث بجسم معدني صدئ، بقايا قذيفة لم تنفجر. "كلما تعمقت في الحرث، وجدت ذخائر محترقة. الأرض مشققة ويابسة، وكأن النار سكنت فيها"، يضيف، وهو يصف مشهدًا يفضحه الواقع القاسي للزراعة في غزة.
زرع المبيض شتلات قليلة، لكنه لاحظ بعد أيام اصفرار الأوراق وتساقطها السريع. "الأرض مسمومة، لقد فسدت 80٪ من شتلاتي"، صرخ بحسرة.
حاول الرجل غسل التربة بالماء، وأطلق عليها الماء حتى غرقت، لكن ذلك لم يكن كافيًا. حتى محاولته الثانية في زراعة شتلات جديدة لم تنجح بالكامل، إذ فسدت 60٪ منها. مع ذلك لم يستسلم، لكنه عبّر عن خوفه الكبير من انتقال التلوث إلى المياه الجوفية أسفل أرضه، "وهذا يهدد الأمن الغذائي في غزة لزمنٍ طويل قادم" يعقب.
اليوم، وبرغم إعلان وقف إطلاق النار في الثلث الأول من أكتوبر الماضي، يقف المبيض، ومعه غالبية مزارعي قطاع غزة أمام واقع مأساوي، حيث لا خطة فعلية لإزالة التلوث، ناهيكم عن ضعف الرقابة البيئية، الذي يهدد القطاع بكارثة غذائية مستمرة.
التربة المصابة يمكن ألّا تُنتج غذاءً آمنًا لوقتٍ طويل، والمزارعون قد يضطرون إلى ترك أراضيهم "أو تلك التي تمكنوا من الوصول إليها" للموت البطيء، تاركين خلفهم سنوات من العمل والجهد.
هذا التحقيق، يحاول تسليط الضوء على الأثر البيئي والزراعي للحرب على قطاع غزة، خصوصًا ما يتعلق بتلوث التربة والمياه وتدمير المحاصيل الزراعية، كما يبرز خطر الانبعاثات الكربونية وتغير المناخ الناتج عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتأثيرها على الأمن الغذائي وصحة السكان، خلال المديين القريب والبعيد داخل القطاع.
عن سبق ترصُّد
وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة 178 ألف دونم، من بينها 93 ألفًا كانت مزروعة بالخضراوات، إلا أن الاحتلال أخرج نحو 90% منها عن الخدمة، سواء بالقصف والتجريف أو بوقوعها داخل "الخط الأصفر"، الذي حددته قوات الاحتلال عقب دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم.
ووفق وزارة الزراعة بغزة، فإن ما يقرب من 50% من مساحة الأراضي الزراعية اليوم، تقع خلف "الخط الأصفر"، ومن بينها قرابة 30 ألف دونم تمتد على طول المناطق الحدودية الشرقية، و35 ألف دونم في بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون وشرقي جباليا في محافظة شمال القطاع، وما لا يقل عن 25 ألف دونم في محافظة رفح جنوبي القطاع.

وتؤكد سلطة جودة البيئة الفلسطينية أن العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في السابع من أكتوبر 2023م، أسفر خلال عامين على الإبادة، عن إسقاط أكثر من 85 ألف طن من القنابل، وهي كمية تفوق الكمية المستخدمة خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي بيانٍ صحفي أصدرته السلطة بمناسبة اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، أشارت إلى أن ضرر تلك القنابل لم يقتصر على التربة فقط، بل شمل البنية التحتية للمياه، حيث تسربت المياه الملوثة إلى الأحواض الجوفية، ما ينذر بكارثة صحية وبيئية تهدد حياة مئات الآلاف من السكان.
وقالت في بيانها: "هذه الأضرار ستظل مستمرة لعقود"، داعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف العدوان وتطبيق القوانين الدولية، مثل بروتوكول جنيف واتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير البيئي لأغراض عسكرية، حمايةً للبيئة ومنع تدهورها نتيجة النزاعات المسلحة.
تكررت التحذيرات في نوفمبر 2024م، حين نشرت السلطة تقريرًا أكدت فيه أن الغارات تسببت في "تلوث التربة بمواد سامة ستجعل الزراعة صعبة لعقود قادمة".
وأوضحت أن الاحتلال استخدم الفسفور الأبيض، المحظور دوليًا، الذي أدى إلى أضرار بيئية جسيمة تهدد حياة الإنسان والكائنات الحية على حد سواء. كما أكدت بيانات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ومنظمة الأغذية والزراعة أن قطاع غزة يحتوي على 151 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الزراعية، تشكل نحو 41٪ من مساحة القطاع، وقد تضررت بشكل كبير.
بحسب ما ذكر تقرير لـ"الإحصاء الفلسطيني" في نوفمبر 2023م. ومع اندلاع الحرب، توقفت عجلة الإنتاج الزراعي تقريبًا، ما أدى إلى خسائر يومية تقدر بحوالي 1.6 مليون دولار أمريكي.
قبل الحرب، كان القطاع الزراعي يساهم بنسبة 11٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة مضافة تصل إلى 343 مليون دولار عام 2022م، بحسب ما ذكر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 28 نوفمبر 2023م. ومع اندلاع الحرب، توقفت عجلة الإنتاج الزراعي تقريبًا، ما أدى إلى خسائر يومية تقدر بحوالي 1.6 مليون دولار أمريكي.
وفي تقرير سابق، صادر عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، صدر في 24 يونيو 2024م، دُمرت حوالي 75٪ من الأراضي الزراعية، بما فيها آلاف الأشجار المثمرة مثل الزيتون الذي يمثل 60٪ من الأشجار المثمرة في القطاع، ما يهدد مصدر دخل رئيس للأسر الفلسطينية.
الدمار شمل كذلك -وفق التقرير- مزارع الدواجن والثروة الحيوانية، حيث فقدت أكثر من 60٪ من الأبقار والضأن والماعز حياتها أو تعرضت للتدمير، كما دُمرت الموانئ البحرية وقوارب الصيد، ما أفقد العديد من الأسر مصدر رزقها.
"بموجب القانون الدولي"
ويوضح الدكتور عبد المسيح سمعان، أستاذ الدراسات البيئية بجامعة عين شمس، في العاصمة المصرية القاهرة، أن أي حرب تنتج عنها تلوثات بسبب استخدام أسلحة الدمار الشامل، تؤثر على التنوع البيولوجي في المنطقة ككل، وتقضي على العديد من الكائنات الحية، وتهدد بعضها بالانقراض إذا كانت نادرة "وهذا تمامًا ما حدث في غزة".

وأشار إلى أن النباتات تعرضت للتدمير المباشر، فيما تأثرت الكائنات الحية الأخرى مثل الطيور والأسماك نتيجة الغازات المنبعثة، قائلًا: "حتى النظم البيئية البحرية لم تسلم. الكائنات البحرية كلها تتأثر، بينما التلوث الهوائي يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية (..) لكن يمكننا القول أن الضرر إذا كان مباشرًا وواضحًا ويمكن إثباته، فإنه يُسهّل محاسبة إسرائيل بموجب القانون الدولي".
وكشفت دراسة أجراها فريق دولي من الباحثين عن التأثير البيئي الكبير للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أن انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري الناجمة عن أول 120 يومًا فقط من الحرب، كانت أكبر من الانبعاثات السنوية لـ26 دولة.
وأشارت الدراسة التي شاركت جامعة كوين ماري في لندن بإعدادها، ونشرتها في 6 يونيو 2024، إلى أنه عند إضافة البنية الأساسية للحرب التي بنتها كل من "إسرائيل" و"حماس"، مثل منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية وشبكة أنفاق حماس، فإن إجمالي الانبعاثات يزيد على الانبعاثات الصادرة عن 36 دولة.
تقدر الدراسة أن إجمالي الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة العسكرية في أول 120 يومًا من الحرب، تتراوح بين (420,265) و(652,552) طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (tCO2e).
وتوقعت الدراسة أن تكون الانبعاثات المرتبطة بإعادة إعمار غزة أعلى من الانبعاثات السنوية لأكثر من 135 دولة.
وتقدر الدراسة أن إجمالي الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة العسكرية المباشرة في أول 120 يومًا من الحرب (من أكتوبر 2023 حتى فبراير 2024) تتراوح بين (420,265) و(652,552) طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (tCO2e).
وعند احتساب الأنشطة الإنشائية وما بعد الحرب، فإن هذه الأرقام ترتفع بشكل كبير، لتصل إلى ما بين (47,669,097) و(61,443,739) طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
هذه الانبعاثات تقارن بحرق 31,000 كيلوطن من الفحم، وهي كمية كافية لتشغيل حوالي 15.8 محطة كهرباء تعمل بالفحم لمدة عام.
ملوثات كيميائية وبيولوجية
ضمن خطة البحث والتحقق، واجه مُعدّا التحقيق صعوبات بالغة في تحليل عينات من التربة جمعاها من أراضٍ زراعية مختلفة، في مناطق مختلفة من قطاع غزة؛ ذلك بسبب تدمير المعمل الوحيد لتحليل التربة، الموجود في الجامعة الإسلامية، فضلًا عن وجود أكثر من نصف الأراضي الزراعية داخل "الخط الأصفر"، وترصُّد قناصة الاحتلال للمناطق القريبة من تواجدهم عند الحدود، حيث تتواجد معظم الأراضي الزراعية الخصبة، وهذا ما دفع إلى الاكتفاء بشهادات وأرقام موثقة، وربطها بنماذج مشابهة.
القصف المستمر على مدار عامين من الإبادة، تسبب في تلوث شديد للتربة والمياه الجوفية، نتيجة مواد متفجرة ومعادن ثقيلة مثل (TNT ) و(RDX) والرصاص والزئبق.
المهندس بهاء الدين يوسف الأغا، مدير وحدة التربة والري بوزارة الزراعة الفلسطينية، أكد أن القصف المستمر على مدار عامين من الإبادة، تسبب في تلوث شديد للتربة والمياه الجوفية، نتيجة مواد متفجرة ومعادن ثقيلة مثل (TNT ) و(RDX) والرصاص والزئبق، وهذه المواد تبقى في البيئة لعقود طويلة، مهددة سلامة النظام البيئي.
وقال لـ"نوى": "تقييم حجم التلوث صعب للغاية بسبب تدمير المختبرات، والتلوث قد يمتد إلى الدول المجاورة إذا تم التخلص من الأنقاض الملوثة بطريقة غير آمنة، مثل دفنها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط"، موضحًا أن المعادن الثقيلة قد تتراكم في المحاصيل، ما يهدد الإنتاج الزراعي والغذاء بشكل مباشر.
وأشار إلى أن معالجة هذه الكارثة تتطلب وقتًا وجهدًا واستثمارات مالية ضخمة، حيث قدرت الأمم المتحدة الأضرار في قطاع المياه والصرف الصحي وحده بما يزيد على 500 مليون دولار.

ولم تتوقف آثار الحرب على تدهور نوعية التربة في قطاع غزة وحسب -كما توضح الباحثة إسلام الهبيل، من الجامعة الوطنية بماليزيا- عبر إلقاء آلاف الأطنان من الملوثات الكيميائية والبيولوجية، بل امتد ليصل إلى تدميرها بالكامل عبر تخريب أنظمة الصرف الصحي، ودفع نحو 60 ألف متر مكعب من المياه العادمة نحوها حتى مارس/ آذار 2024م.
وقالت لـ"نوى": "إن استخدام المركبات العسكرية الثقيلة أدى إلى تدهور الغطاء النباتي وزيادة تآكل التربة وانخفاض التنوع البيولوجي، مع تراجع نسبة الكربون إلى النيتروجين، ما قلل خصوبتها، وفرص زراعتها واستصلاحها فيما بعد"، مقترحةً استثمار انتهاء الإبادة بإعادة التشجير، واستخدام الأسمدة العضوية لتعويض نقص العناصر الغذائية، واعتماد الزراعة المستدامة مثل الزراعة العضوية وتقنيات توفير المياه، مع مراقبة بيئية مستمرة للتلوث، والاستفادة من التجارب الدولية في الدول التي واجهت تحديات مماثلة لضمان الدعم المالي والفني، بما في ذلك الخبرة الأوكرانية والفيتنامية.
انبعاثات كربونية وتغير مناخ!
تحت طبقة الغبار والركام، يسكن قطاع غزة اليوم مزيج من الخراب البيئي والصحي الذي تركه القصف المتواصل. وفق تقرير صادر عن سلطة جودة البيئة الفلسطينية في كانون الأول/ ديسمبر 2024م، أسفر العدوان على قطاع غزة عن انبعاثات كربونية هائلة، تجاوزت 1.2 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، نتيجة تدمير المباني، وحرائق المنشآت الصناعية، والمركبات المدمرة. هذه الكمية، بحسب السلطة، تكفي لتعطيل جهود الحد من تغير المناخ في القطاع لعقود، بما يهدد صحة الإنسان ويفاقم الأزمات البيئية.
د.العرابي: "تدهور المناخ يؤدي إلى زيادة تبخر المياه من التربة، ما يقلل إنتاجية المحاصيل ويجعل الزراعة أكثر تكلفة ويزيد الحاجة للمياه العذبة، التي هي أصلًا محدودة في القطاع".
الانبعاثات لم تقتصر على الغازات الدفيئة فقط، بل ترافقها جسيمات دقيقة من المعادن الثقيلة والمواد السامة التي تتطاير مع الهواء وتستقر على التربة والمحاصيل والمياه. هذه الجسيمات، وفق تقرير منظمة الصحة العالمية، تزيد خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، والسرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن، الذين يمثلون الفئات الأكثر ضعفًا في القطاع.
الدكتور خالد العرابي، أستاذ المناخ بجامعة القدس، أوضح أن هذه الانبعاثات تفاقم آثار التغير المناخي في غزة، حيث ارتفعت درجات الحرارة بمعدل نصف درجة مئوية إضافية منذ بداية الحرب، مصحوبة بتغير في معدلات الأمطار، وجفاف متزايد في بعض المناطق الزراعية، مؤكدًا أن تدهور المناخ يؤدي إلى زيادة تبخر المياه من التربة، ما يقلل إنتاجية المحاصيل ويجعل الزراعة أكثر تكلفة ويزيد الحاجة للمياه العذبة، التي هي أصلًا محدودة في القطاع.
هذه الظروف البيئية الصعبة تعمّق أزمة الأمن الغذائي، حيث تقول منظمة الأغذية والزراعة (FAO) إن أكثر من (70٪) من الأراضي الزراعية لم تعد صالحة للزراعة بشكل مباشر، بينما فقدت آلاف العائلات مصادر رزقها الزراعي والصيد البحري.
وأوضح تقرير للأمم المتحدة أن الانبعاثات السامة والجسيمات الدقيقة تراكمت على النباتات، ما يقلل قيمتها الغذائية ويزيد من مخاطر التسمم الغذائي، خاصة لدى الأسر التي تعتمد على محاصيلها للبقاء على قيد الحياة.
حرائق مستقبلية!
الانبعاثات والنفايات الكيميائية الناتجة عن الحرب، بحسب خبراء البيئة، تشكل حلقة مفرغة من التدهور البيئي والصحي والاجتماعي، ما يفاقم معدلات الفقر، ويجعل السكان أكثر عرضة للأزمات الغذائية والمرضية، ويقود إلى هجرة الأسر من مناطقها الزراعية، بحثًا عن مأوى آمن وغذاء مستدام.
الدكتورة إيمان صبري، الباحثة في علوم البيئة والتنمية المستدامة، أشارت إلى أن قطاع غزة بحاجة عاجلة إلى برامج لتعويض الانبعاثات وتخفيف آثارها، مثل زراعة أشجار مقاومة للتلوث، واستخدام تقنيات الطاقة النظيفة، ومعالجة النفايات بشكل آمن.
وأضافت: "كل يوم تأخير في معالجة الانبعاثات وتدهور التربة يعني تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة الفقر والجوع، وتدهور الصحة العامة للأطفال والنساء وكبار السن".

الصيادون أيضًا، الذين يشكلون جزءًا مهمًا من الأمن الغذائي في غزة، يعانون من آثار التغير المناخي والانبعاثات الكربونية، إذ أصبحت الأسماك أقل وفرة بسبب تلوث المياه وارتفاع حرارة البحر. محمد شلح مثلًا، صياد من مخيم الشاطئ، يقول: "كنا نخرج للصيد يوميًا، الآن البحر يحمل السموم، الأسماك قليلة، وكل يوم الخسارة تزداد، والجوع يطرق أبواب بيوتنا".
الانبعاثات المتراكمة تزيد أيضًا من خطورة الحرائق المستقبلية، خاصة مع درجات الحرارة المرتفعة، ما يهدد محاصيل الزيتون والحمضيات والأشجار المثمرة الأخرى. ومع استمرار الحصار وصعوبة إدخال المعدات الزراعية الحديثة، يبدو القطاع محاصرًا بين الحرب وتدهور البيئة وتغير المناخ، في حلقة لا نهاية لها من الجوع والخوف.
الجهود الدولية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، فمساعدات الإغاثة تركز على الغذاء والماء والدواء، بينما تحتاج غزة إلى برامج طويلة الأمد لإعادة تأهيل البيئة، وإعادة بناء البنية التحتية للزراعة والصيد، ومراقبة الانبعاثات وتخفيف آثارها.
الأمم المتحدة: العلاج يتطلب استثمارات بالمليارات لكنه ضرورة لضمان مستقبل الأجيال القادمة.
وتقول الأمم المتحدة "إن معالجة هذه الأزمة البيئية والصحية والاجتماعية تتطلب استثمارات تفوق المليارات، لكنها تبقى ضرورة لضمان مستقبل الأجيال القادمة".
الانبعاثات الكربونية وتغير المناخ في غزة ليسا مجرد أرقام وإحصاءات، بل واقع يعيشه الإنسان الفلسطيني كل يوم، في الهواء الذي يتنفسه، والطعام الذي يأكله، والماء الذي يشربه، فيضطر للبحث عن الأمان وسط الخراب، مع حلم يومٍ تتحسن فيه البيئة ويزدهر الغذاء، ويستعيد الأطفال طفولتهم، ولو للحظة قصيرة، بعيدًا عن جحيم الحرب والتلوث.
الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الحرب لم تعد مجرد أرقام على ورق، بل أصبحت حقيقة يومية تؤثر على صحة الأطفال وكبار السن، وتدمر المحاصيل الزراعية، وتزيد من ندرة المياه. مع كل هزة قصف، وكل مبنى ينهار، يزداد حجم التلوث، ويصبح الهواء أكثر سمية، ويزداد خطر الأمراض المزمنة على السكان: الصحة، الغذاء، والتعليم، كل شيء أصبح رهينة البيئة المدمرة.

الأطفال هم الضحية الأشد وضوحًا لهذه المعادلة القاسية. محمد وأصدقاؤه في حي الشجاعية يعانون من الربو والحساسية، ويعتمدون على المساعدات الغذائية لأن الأرض لم تعد تعطي ما يكفي. المدارس، حتى القائمة منها، تحولت إلى ملاذات مؤقتة، لكنها لا تستطيع أن تحمي الأطفال من السموم المحمولة في الهواء والغبار. وفي كل مرة يخرجون للعب في الشوارع، يواجهون نفس المخاطر التي تهدد حياتهم وصحتهم.
أما المزارعون، فهم اليوم أكثر الناس عجزًا أمام هذا الواقع. أراضيهم ملوثة بالنفايات، والمياه المالحة أو الملوثة بالكيميائيات، والأحوال الجوية تغيرت بشكل يؤثر على كمية المحاصيل وجودتها.
أحمد أبو مصطفى، مزارع من خان يونس، يصف الواقع قائلًا: "كنت أزرع الحبوب والخضار، الآن حتى الزيتون يذبل قبل أن يحصد، والبحر لم يعد يعطينا ما اعتدنا عليه. نحن نحاول البقاء، لكن كل شيء يتآكل أمام أعيننا".
بينما تركز المساعدات الإنسانية على الغذاء والماء والدواء، يغيب الاهتمام بالاستدامة البيئية وإعادة تأهيل البنية التحتية للزراعة والصيد والطاقة النظيفة.
على المستوى الدولي، كشفت الأزمة البيئية والصحية عن فجوة كبيرة في الدعم والخطط الطويلة المدى. بينما تركز المساعدات الإنسانية على الغذاء والماء والدواء، يغيب الاهتمام بالاستدامة البيئية وإعادة تأهيل البنية التحتية للزراعة والصيد والطاقة النظيفة.
في هذا السياق، يظهر الأمن الغذائي كأكثر من مجرد طعام على الطاولة. إنه مؤشر على صحة الأطفال والنساء وكبار السن، وعلى استقرار المجتمع، وعلى قدرة البشر على الصمود في وجه التغير المناخي والانبعاثات الكربونية. كل حصّة غذائية تصل إلى الأسرة، وكل شجرة تزرع، وكل مياه تُنقّى، هي خطوة صغيرة في رحلة طويلة نحو البقاء.
القصة الإنسانية في غزة، إذن، ليست مجرد أخبار عن الدمار والخسارة، بل عن القدرة على المقاومة. الأطفال الذين يركضون بين الركام، والنساء اللواتي يزرن أراضيهن الملوثة، والمجتمع الذي يحاول تنظيف شوارعه، جميعهم يكتبون فصلاً جديدًا في صمود الفلسطينيين، فصلًا مليئًا بالمآسي لكنه يضج بالأمل.
في نهاية المطاف، ما يريده السكان ليس مجرد مساعدات آنية، بل خطة طويلة المدى لإعادة الحياة إلى غزة، للهواء الذي يتنفسونه، وللتربة التي تمنحهم الغذاء، وللأطفال الذين يحلمون بمستقبل بعيد عن الغبار والتلوث والجوع. إن معالجة الانبعاثات وتغير المناخ ليست خيارًا، بل ضرورة بقاء، وإذا فشلت الخطط الدولية والمحلية في ذلك، فستظل غزة أسيرة الحصار والدمار، بينما يحلم سكانها بيوم يعكس حقهم في الحياة، الصحة، والكرامة.
