ملعب "عايدة".. وإخطار "هدم" يلاحق أحلام أطفال المخيم!
تاريخ النشر : 2026-01-18 08:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

خلف جدار الفصل العنصري في مدينة بيت لحم، جنوبي القدس، تُشرق ابتسامة اللاعب الصغير عمر الكرد، بعدما أنهى واجباته المدرسية وهرول بأقدامه الصغيرة مسافة كيلومتر كامل من بيته، قاصدًا بوابة ملعب مخيم عايدة ليلاحق كرةً تشبه حلمه.

لكن الطريق الذي اعتاد أن يقوده إلى اللعب، قاده هذه المرة إلى صدمة؛ قوات الاحتلال الإسرائيلي متمركزة على مدخل الملعب، وإخطار هدم معلّق على بوابته.

ببراءةٍ مشوبة بغصّة، يقول عمر (11 عامًا) لـ"نوى": "قرار الاحتلال بهدم الملعب سيحطّم حلمي بأن أصبح لاعب كرة قدم، ويقتل التقدّم الذي أحرزته مع أصدقائي، بعدما تأهلنا لمباريات عالمية".

عمر واحد من بين ألف لاعب رياضي، يشكّل ملعب مخيم عايدة عالمهم الوحيد، ومساحتهم للتنفس وسط أزقة المخيم الضيقة والمكتظة بالجدران.

يصمت قليلًا، يتنهّد بعمق، ثم يكمل: "نعيش دائمًا في خوف، مقيدين بهاجس اقتحام قوات الاحتلال للملعب في أي لحظة، وتفريقنا بإطلاق الرصاص والقنابل الدخانية، ما يوقع إصابات، خصوصًا أن الملعب ملاصق لجدار الفصل العنصري".

يحتضن عمر الكرة، يمرر أصابعه عليها بعطف، ويضيف: "بيني وبين الملعب عشرة عمر، بدأت منذ ست سنوات.. ركضت هنا، ولعبت، وفزت بميداليات كثيرة".

سرعان ما انهمرت دموعه، قبل أن يزيد: ""أطفال فلسطين محرومون من حق اللعب بحرية، أسوةً بكل أطفال العالم الذين يمرحون في ملاعبهم دون عرقلة. نحن يلاحقنا جنود الاحتلال حتى على الكرة البلاستيكية، كيف سنكمل مسيرتنا الكروية إذا هُدم الملعب؟".

يواجه ملعب كرة القدم الوحيد في مخيم عايدة للاجئين خطر الهدم، بعد أن أصدرت قوات الاحتلال  إشعارًا تزعم فيه أنه بُني دون الحصول على التراخيص.

يواجه ملعب كرة القدم الوحيد في مخيم عايدة للاجئين خطر الهدم، بعد أن أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلية إشعارًا تزعم فيه أنه بُني دون الحصول على التراخيص اللازمة.

يوضح مدير الملعب التابع لمركز شباب عايدة، محمد أبو سرور، أن الملعب أُسس قبل خمس سنوات على مساحة دونمين، فوق أرض تابعة لدير الأرمن، استُؤجرت عبر بلدية بيت لحم وبالتنسيق مع اللجنة الشعبية في المخيم.

وبنبرة مختنقة، يضيف: "الملعب هو المتنفس الوحيد في المخيم، الذي أُنشئ عام 1948م ليستوعب نحو ألف شخص، بينما يعيش فيه اليوم أكثر من 5500 نسمة (..) في السابق كان المخيم يضم ملعبين، لكن مع بناء جدار الفصل العنصري عُزلت تلك المنطقة، وحُرم السكان من الوصول إليها، فتوقّف النشاط الرياضي لفترة طويلة".

يصمت لبرهة، يلتقط أنفاسه، ثم يستكمل: "يلعب في ملعب عايدة أكثر من 250 طفلًا وشابًا، ويستفيد منه نحو ألف شخص من مخيمي عايدة والعزة والمناطق المحيطة، إضافة إلى ثلاث أكاديميات رياضية".

ولا يقتصر دور الملعب على الرياضة فقط؛ إذ تُقام فيه أنشطة رياضية وترفيهية واجتماعية وتثقيفية، ولقاءات توعوية ومناسبات اجتماعية، تهدف جميعها إلى تعزيز الحركة الرياضية والنهوض بالمخيم.

ويصف أبو سرور قرار الهدم بقوله: "هو نكسة وإحباط متعمّد من قبل الاحتلال الإسرائيلي، يطال الإدارة واللاعبين والأطفال. يتعمد الاحتلال حرمان الفلسطيني من حقه الطبيعي في اللعب بحرية وكرامة".

في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ديسمبر 2025م، تسلّم المركز أمرًا نهائيًا يقضي بهدم الملعب خلال أسبوع، مع تهديد صريح بأنه في حال عدم الهدم الذاتي، ستقوم قوات الاحتلال بتنفيذه وتحميل إدارة الملعب تكاليف الهدم.

"نُتابع المسار القانوني بالتنسيق مع مؤسسة سانت إيف، في محاولة لتجميد القرار أو تأجيله، إلى جانب الاستمرار في حملة إعلامية دولية".

وعن محاولات المواجهة، يقول أبو سرور: "نُتابع المسار القانوني بالتنسيق مع مؤسسة سانت إيف، في محاولة لتجميد القرار أو تأجيله، إلى جانب الاستمرار في حملة إعلامية دولية.. لقد وقّع أكثر من 320 ألف شخص عريضة تطالب بوقف الهدم".

ويأتي إخطار الهدم في وقت تكبّدت فيه الرياضة الفلسطينية خسائر فادحة خلال عامي الإبادة؛ إذ دُمّر في قطاع غزة 269 منشأة رياضية، إضافة إلى 20 منشأة دمّرها الاحتلال في الضفة الغربية.

ويؤكد رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، د. صلاح عبد العاطي، أن "إخطار الاحتلال بهدم ملعب مخيم عايدة يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وفق المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، التي تحظر تدمير الممتلكات المدنية إلا لضرورة عسكرية ملحّة، فيما لا تُعد الملاعب أهدافًا عسكرية".

ويضيف: "الهدم يمثل انتهاكًا واضحًا لحقوق الأطفال المكفولة في اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المادة 31 التي تكفل حقهم في اللعب والمشاركة في الأنشطة الترفيهية والثقافية. حرمان الأطفال من هذا الحق ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية والاجتماعية والتعليمية، ويهدد مستقبلهم".

ويشدد على أن "هذا الانتهاك قد يندرج ضمن جرائم الحرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لمنع تنفيذ الهدم، وحماية الأطفال والمرافق المدنية، وتوثيق الجريمة لاتخاذ الإجراءات القانونية الدولية بحق المسؤولين.

ويشير عبد العاطي إلى أن الاحتلال ملزم بحماية البنية التحتية المدنية، وتوفير بيئة آمنة للأطفال والمجتمع المدني، وأي تدمير متعمد أو تحميل السكان تكاليف الهدم يُعد مسؤولية دولية وقانونية.

تحمل "نوى" رسالة أطفال ولاعبي مخيم عايدة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، مطالبين برفع البطاقة الحمراء في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ووقف هدم الملعب، وحماية أحلام أطفال المستطيل الأخضر.