"عرّوني وضحكوا".. انتهاكات جنسية "مُنظّمة" في سجون "إسرائيل"!
تاريخ النشر : 2026-01-14 14:56
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"عصبوا عينيَّ وأجبروني على خلع ملابسي. وضعوا صدري ورأسي على الطاولة، وقيدوا يديَّ في طرف السرير. فرّقوا قدميَّ بقوة ثم شعرت بإيلاج في فتحة الشرج، ثم بجسد جندي يغتصبني".

هكذا، وجدت الأسيرة الفلسطينية (ن.أ) نفسها في مواجهة أبشع تفاصيل الاعتقال، عندما اقتيدت فجرًا من زنزانتها إلى غير هدى، ثم تعرضت للاغتصاب بشكلٍ وحشي من قبل جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي طوال ثلاثة أيام.

كان الوقت فجرًا، عندما سمعت الأسيرة صوت الجنود وهم يصرخون وينادون على مسمع المعتقلات: ممنوع الصلاة في الصباح. "كان رابع يوم لاعتقالي، اقتادوني بعد أن غطوا عينيَّ، واغتصبوني بوحشية" تقول.

(ن.أ): "تركُوني ثلاثة أيام بلا ملابس، وكانوا يهددونني بنشر صوري. في اليوم الأول اغتصبت مرتين، وفي الثاني مرتين، وأنقذتني الدورة الشهرية".

وتكمل الأسيرة (ن.أ) ضمن شهادتها التي وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان: "صرخت، وحينها ضربوني على ظهري ورأسي بشدة. قذفوا السائل المنوي في فتحة الشرج وكنت أسمع صوت الكاميرا كثيرًا. أنا على يقينٍ أنهم كانوا يصورونني".

استمرت عملية الاغتصاب الأولى حوالي 10 دقائق، بعدها تُركت (ن.أ) قرابة الساعة على نفس الوضعية. يدان مقيدتان في سرير بأصفاد حديدية، وجهٌ على السرير، وقدمان على الأرض، وبدون ملابس نهائيًا.

تتابع: "بعد ساعة، اغتُصبت مجددًا. أولج أحدهم عضوه داخل مهبلي هذه المرة. طوال الوقت كنت أتعرض للضرب المبرح، بينما أنا لا أستطيع فعل شيء سوى الصراخ".

لا يمكن أن تصف (ن.أ) ما شعرت به. تقول: "تمنيت الموت في كل لحظة. بعد اغتصابي، تُركت وحدي في نفس الغرفة لساعات طويلة، بدون ملابس. كنت أسمع أصوات الجنود في الخارج وهم يتحدثون اللغة العبرية ويضحكون، وبعدها، اغتصبتُ مرةً أخرى، كنت أصرخ، وكانوا يضربونني كلما حاولت المقاومة".

لم يكتفِ الجنود بذلك، بل دخل أحدهم على الأسيرة ملثمًا، وطلب منها مداعبة عضوه الذكري، وعندما رفضت ضرَبَها واغتصبها من جديد.

"ثلاثة أيام عشتُ خلالها في جحيم الخوف والقهر والألم. في اليوم الأول اغتُصبتُ مرتين، وفي الثاني مرتين، وفي الثالث بقيت بلا ملابس ينظر الجنود إليَّ من فتحة الباب، ويصورونني ويهددونني بنشر الصور في مواقع التواصل الاجتماعي" تزيد، موضحةً أنهم لم يسمحوا لها بارتداء ملابسها والانتقال إلى غرفةٍ أخرى إلا بعدما باغتتها الدورة الشهرية!

حالة (ن.أ) ليست فردية، بل واحدة من شهادات التحرش والاغتصاب الجنسي "الأبشع"، للأسيرات والأسرى خلال فترة اعتقالهم/ـن، لا سيما خلال عامَي الإبادة في قطاع غزة، بدءًا من تاريخ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، وحتى اللحظة، وفق أسرى محررين جُدد.

هذا التحقيق يحمل قصصًا مروعة، آثر من مروا بالتجربة سردها لفضح جرائم المحتل، التي تجاوزت حدود الآدمية داخل السجون الإسرائيلية، وانتهكت كافة القوانين الدولية وحقوق الإنسان، بدءًا من التعذيب لتحصيل الاعترافات، مرورًا بالتجويع، وليس انتهاءً بالإيذاء الجنسي سواءً بالتحرش أو بالاغتصاب الكامل المشهود.

أمام كاميرات المراقبة!

حكايةٌ أخرى، لا تقل مرارةً عن السابقة. هذه المرة، قابل معد التحقيق صاحبها بشكلٍ مباشر، وقد اشترط الإشارة إلى اسمه برموز لحساسية القضية.

بدأت القصة في ساحةٍ كبيرة محاطة بأسلاك شائكة، وعلى أرضيةٍ من الحصى، ووسط كاميرات مراقبة زُرعت في زوايا السجن، عندما تجمع العشرات من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي حول جسد الشاب (أ.ب) المثخن بجراح التعذيب، بعد أن جردوه من جميع ملابسه، وبدأوا بـ"حفلة تحرش وإيذاء جنسي" على حد وصفه.

(أ.ب): "ربطوا عضوي بمربط بلاستيكي وشدوه حتى كدت أموت. ثم أقاموا حفلة تحرش جنسي تحت أنظار ضباط كبار (..) لا يهوّن عليّ إلا أنني خرجتُ حيًّا".

يقول لـ"نوى": "وضع الجنود عصا خشبية في مؤخرتي، ثم ألقوا بي أرضًا، وأطلقوا نحوي كلبًا مفترسًا، قبل أن يربط أحدهم عضوي الذكري مع خصيتي بمربطٍ بلاستيكي، ويبدأ بشده تدريجيًا حتى وصلتُ إلى مرحلةٍ فاقت قدرتي على التحمل".

اعتُقل الشاب -وهو متزوج، وأبٌ لأربعة أطفال- من خيمةٍ غربي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، خلال يناير 2024م. ووضع برفقة فلسطينيين آخرين داخل دبابة، وبعد أكثر من 4 ساعات وصل إلى معسكر للجيش فيه أقفاص حديدية، معصوب العينين، مكبل اليدين، بملابس خفيفة لا تقي البرد القارس في ذلك التوقيت.

يضيف: "بعد أربعة أيام، نادى عليَّ جنديٌ للتحقيق، ولأنني لم أكن قادرًا على المشي بسبب التعذيب سحبني على الأرض إلى غرفة ضيقة فيها مكتب وكرسي. جلستُ عليه، وانهال المحقق عليّ بالأسئلة، وأكال على مسامعي الاتهامات جزافًا، ولما أنكرتها كلها، صرخ المحقق على الجندي وطلب أخذي إلى الساحة".

هناك وقعت حادثة التحرش الجنسي بطرق متعددة، تحت أنظار ضباط كبار، وأمام كاميرات المراقبة في زوايا الساحة -يؤكد.

حتى اللحظة، يعاني (أ.ب) انهيارًا عصبيًا نتيجة ما مر به، كلما تذكر تفاصيل ما جرى معه داخل السجن. لا يهوّن عليه إلا أنه حصل على حريته ضمن صفقة تبادل أُعلنت في 15 شباط/ فبراير 2025م، بعد أن أمضى في السجن 388 يومًا.

اغتصبه كلب!

في سجنٍ آخر، كانت التفاصيل أكثر قسوة. يروي الأسير المحرر فادي بكر (26 عامًا) شهادته في سجن "سدي تيمان" الإسرائيلي، عندما جلب الجنود كلبًا إلى الساحة، ووضعوا مادةً مجهولةً على مؤخرة أحد الأسرى بعد أن جردوه من ملابسه.

قال: "هذه المادة تسببت بثوران الكلب جنسيًا، فبدأ بمهاجمة الأسير الذي أجبره الجنود على الجلوس بوضعية القرفصاء، وكان مكبل اليدين معصوب العينين، قبل أن يتعرض للاغتصاب من قبل الكلب".

فادي بكر: "أجبروا كلبًا على اغتصاب أسير بعد دهن مؤخرته بمادة غريبة. صراخه الهستيري انتهى بصمتٍ كامل.. لم نره بعدها".

بكر الذي اعتُقل من حي الزيتون جنوبي مدينة غزة، في يناير 2024م، أكد لـ"نوى"، أن الشاب الذي لم يتمكن من معرفة اسمه حتى اللحظة، أصيب بانهيارٍ عصبي. "بدأ يصرخ بشكلٍ هستيري، وسط ضحكات الجنود وتلفظهم بكلمات نابية باللغة العبرية".

يتابع: "بعد دقائق من الصراخ، صمت الشاب فجأة، ولم يعد قادرًا على الحديث أو الحركة.. عندها، بدأنا أنا ومن معي بالصراخ على الجنود، فهاجمونا بالعصي والهراوات، وانهالوا علينا بالضرب والشتائم والألفاظ النابية".

في ذلك اليوم، عزل الجنود الشاب عن بقية الأسرى، ولم يشاهده أحد مرة أخرى، فيما استمر التعذيب الوحشي بحق بكر حتى يوم الإفراج عنه، في يونيو/حزيران 2024م.

تحرش المجندات..

ومن مدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، اعتقل جيش الاحتلال الشاب (م. ك) من منزله برفقة عدد من أشقائه وجيرانه في نوفمبر 2023م. وضعوه داخل دبابة نقلته إلى قاعدة "زيكيم" العسكرية، على الحدود الشمالية لقطاع غزة، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى سجن "عوفر".

خلال فترة التحقيق التي استمرت 12 يومًا، أُجبر (م.ك) على خلع ملابسه بالكامل، والوقوف عاريًا في طابور للأسرى، كانوا جميعهم بلا ملابس.

(م.ك): "وقفت المجندة أمامي وأنا عارٍ تمامًا. عبثت بعضوي الذكري بعصا وهي تضحك بسخرية.. هذا جزء فقط مما عشته، وهناك ما أعجز عن قوله".

يقول لـ"نوى" بعد تردد: "خلال وقوفي مكبل اليدين والقدمين، جاءت مجندة ووقفت أمامي فترة، ثم بدأت تعبث بعضوي الذكري بعصا كانت تمسكها، وهي تضحك بسخرية شديدة".

لم تكتفِ تلك المجندة بالتحرش الجسدي، بل ضربته أيضًا على مؤخرته وهو عارٍ، ووجهت له ألفاظًا خادشة للحياء. إلى هنا، ولم يستطع الاستمرار بالحديث. أخبرنا أن هذا "جزء" مما تعرض له، أو شهِد تعرض أسرى آخرين له خلال فترة اعتقاله.

شذوذ جنسي أيضًا!

ومن داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس، جنوبي قطاع غزة، اعتقل جيش الاحتلال السيدة (ر.س)، واقتادها إلى إحدى المدارس القريبة، حيث خضعت لتحقيق ميداني أولي من قبل مجموعة ضباط بعد تعريتها من ملابسها، ثم نقلت عبر دبابة إلى سجنٍ داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.

السيدة (ر.س): "كانت المجندات يعرّينني يوميًا. سلوكهن لم يكن تفتيشًا بل شذوذًا جنسيًا. مارسن التحرش في أماكن بلا كاميرات.. دورات المياه مثلًا".

خلال فترة التحقيق، تقول: "كنت أُقتاد من غرفتي صباحًا بأيدي مجندات. كُنَّ يعرينني بالكامل، ويلمسن مناطق حساسة من جسدي بين الفينة والأخرى، ومع تكرار هذا السلوك، شعرت أنهن يعانين شذوذًا جنسيًا"، مؤكدةً أن أولئك المجندات كن يتعمدن اختيار أماكن لا توجد بها كاميرات مراقبة لممارسة تلك السلوكيات، كدورات المياه على سبيل المثال.

لم تخبر السيدة أي مؤسسة حقوقية بما تعرضت له من تحرش جنسي خشية "الوصمة" المجتمعية، وقد أجرت "نوى" هذه المقابلة معها من خلال إحدى قريباتها، بعد أخذ موافقتها على النشر.

وبالإضافة إلى القصص السابقة، كشف المدعي العام الإسرائيلي اعتداءً جنسيًا وصفه بـ"الفظيع"، مارسه جنود إسرائيليون في "سدي تيمان" على أسير فلسطيني، وضعوا عصا في مؤخرته، وتسببوا له بنزيفٍ حاد، فيما لم يخضعوه لأي علاج بعدها.

عقب الحادثة، طلبت النيابة العسكرية الإسرائيلية تمديد الإقامة الجبرية لجنود الاحتياط الخمسة الذين يشتبه في قيامهم بذلك الاعتداء، لمدة أسبوعين، فيما لم تتخذ بحقهم حتى اللحظة أي إجراءات قانونية.

ليس جديدًا..

ولم يكن الحديث عن الاعتداءات الجنسية على الأسرى الفلسطينيين، داخل سجون الاحتلال، وليد الإبادة التي استمرت لمدة عامين كاملين، قبل سريان اتفاق وقف إطلاق النار "الهش" في العاشر من أكتوبر الماضي، فهناك الكثير من الشواهد التي تؤكد تأصُّل تلك الانتهاكات بين جدران السجون الإسرائيلية المعتمة، إمعانًا في التعذيب، ومحاولةً لكسر عنفوان الأسرى الفلسطينيين خلال تواجدهم داخل الأسر وحتى بعد خروجهم منه.

قابل معد التحقيق ثلاثة من الأسرى القُدامى، وجميعهم أكدوا تعرضهم، وتعرض أسرى معهم لاعتداءات جنسية خلال التحقيق، إضافة إلى تهديدات مستمرة بالاغتصاب.

 "تلقيت طوال فترة التحقيق عبارات خادشة للحياء، وتهديدات بالاغتصاب بلا رحمة".

إسماعيل موسى أسير اعتقلته "إسرائيل" في عام 1992م، وقضى في سجونها 18 عامًا، أكد تعرضه خلال ايام اعتقاله الأولى خلال التحقيق للضرب على أماكن حساسة من جسده.

قال لـ"نوى": "أقسى ما تعرضت له هو الضغط على عضوي الذكري من قبل المحقق، ثم ربطه بحبل وشده بقوة"، مشيرًا إلى تلقيه طوال فترة التحقيق لعبارات خادشة للحياء من قبل المحققين، وتهديدات بالاغتصاب بلا رحمة.

 "وضع المحقق قلمًا في فتحة عضوي الذكري، وضغط على الخصيتين بقوة".

الأسير (إ.ش) أيضًا. تعرض لاعتداءات جنسية عديدة من قبل المحققين في بداية اعتقاله عام 1990م، وحتى تحرره عام 2000م. كان أصعبها -يقول- "عندما وضع المحقق قلمًا في فتحة عضوي الذكري، وضغط على الخصيتين بقوة".

أيضًا، تعرض الأسير (م.م)، الذي اعتُقل في عام 1990م، وخرج عام 1997م، لتحرش جنسي لفظي، وتعرية من جميع ملابسه خلال التفتيش الليلي.

يقول لـ"نوى": "أذكر خلال بداية اعتقالي، عندما كان المحقق يشتمني بألفاظ خادشهَ للحياء، طالت أمي وزوجتي، وشقيقاتي"، مردفًا: "لطالما تعرضت للتفتيش العاري خلال الليل، والعبث بعضوي الذكري من قبل جنودٍ كانوا يحملون العصي".

يؤكد الأسرى الثلاثة أنه لم تتم محاسبة الضباط والمحققين الذين قاموا بالتحرش والاعتداء الجنسي بهم، رغم توجههم بالشكاوى حول ما تعرضوا له.

"تقدّمت بشكوى… ولم يعد إليّ أحد طوال 18 عامًا في الأسر".

الأسير (م.م) على سبيل المثال، أشار إلى أنه تقدم بشكوى بعد انتهاء التحقيق معه، ولم يتم التعامل معها إلا بعد عام، عندما جاءه ضباط من الشرطة العسكرية الإسرائيلية، ووجهوا له أسئلة حول ما حدث، بينما لم يعودوا إليه بعدها طوال 18 عامًا من وجوده في السجون الإسرائيلية.

وحول وجود إحصائيات لحالات تحرش جنسي ضد الأسرى الفلسطينيين خلال الأعوام التي سبقت السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، أكدت مديرة الإعلام والتوثيق في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة، أن الحالات ليست وليدة الحرب، "بل كانت هناك حالات تحرش ومحاولات اغتصاب ضد الأسرى قبل تاريخ بدء العدوان الأخير، بأعداد محدودة، ولا تتوفر حولها إحصائيات".

جريمة حرب

وتؤكد الأمم المتحدة، أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة ليس ظاهرة حديثة، بل يعود إلى قدم الحروب نفسها، حيث استخدم كـ"سلاح فعّال" في الحرب العالمية الثانية، وفي البوسنة، وفي الكونغو الديمقراطية، وسوريا والعراق والسودان وميانمار.

وأوضحت المنظمة أن هذا العنف يُستخدم كأداة حربية وإرهابية لترهيب السكان، وتهجيرهم قسرًا، وتفكيك النسيج المجتمعي، وضرب التماسك الأسري والثقافي، فضلًا عن انتهاك الحقوق الإنجابية للنساء.

تصنف الأمم المتحدة هذا النوع من العنف، بحسب طبيعته وملابساته "جريمة حرب" أو "جريمة ضد الإنسانية" أو حتى "فعل إبادة جماعية"، وذلك بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتصنف الأمم المتحدة هذا النوع من العنف، بحسب طبيعته وملابساته "جريمة حرب" أو "جريمة ضد الإنسانية" أو حتى "فعل إبادة جماعية"، وذلك بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وأكد مجلس الأمن الدولي في عدة قرارات أن استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب أو أداة إرهاب، يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين، كم أنه يُعرقل جهود الوساطة وحفظ السلام.

وتترك الاعتداءات الجنسية والتحرش ضد الأسرى آثارًا مدمّرة تتعدى الضحايا المباشرين، حيث يؤدي إلى وصم اجتماعي، ومعاناة نفسية وجسدية، ويؤثر على الأجيال من حيث الصحة والتعليم، والفرص الاقتصادية، والمشاركة السياسية، حسب الأمم المتحدة.

انتهاكات جسيمة

بدورها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي المرتكبة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، تعد انتهاكات جسيمة بموجب القانون الدولي الإنساني.

وأشارت إلى أن جميع أطراف النزاع ملزمة بالامتناع عن هذه الأفعال، فيما تتحمل الدول مسؤولية ملاحقة مرتكبيها.

"القانون الدولي بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولان الإضافيان الأول والثاني، يحظر بشكل صريح جميع أشكال العنف الجنسي، سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية".

ووفقًا للجنة، فإن القانون الدولي بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولان الإضافيان الأول والثاني، يحظر بشكل صريح جميع أشكال العنف الجنسي، سواء في النزاعات المسلحة الدولية أو غير الدولية.

"كما أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أدرج الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذا ما ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين".

النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أدرج الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إذا ما ارتُكبت في إطار هجوم واسع ضد المدنيين".

وأشارت اللجنة إلى أن العنف الجنسي قد يُشكّل أيضًا جريمة تعذيب، عندما يُمارس لانتزاع اعترافات من الضحايا، أو كعمل من أعمال الإبادة الجماعية، عندما يستخدم لمنع الإنجاب داخل مجموعة معينة، مثل حالات التشويه الجنسي أو التعقيم القسري.

وعدّت اللجنة كل حادثة اغتصاب ترتكب في سياق نزاع مسلح، "جريمة حرب قائمة بذاتها"، وتستوجب المحاسبة والمحاكمة، مشددة على أن العنف الجنسي في كل الأوقات يشكل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ويتعارض مع القوانين الدولية والوطنية والدينية والأعراف الإنسانية.

42 من 300!

معدُّ التحقيق أعدَّ استبانةً إلكترونية وزّعها على عينة من الأسرى والأسيرات -الذين اعتقلوا خلال عامَي الإبادة- قوامها 300 اسم، بهدف كشف ما تعرضوا له من اعتداءات وانتهاكات جنسية.

وبرغم ضمان سرّية المعلومات، وعدم مطالبة الاستبانة بكتابة اسم، أو أي معلومات تدل على هوية صاحبها "المعروف فقط لمعد التحقيق"، لم يتجاوب سوى 42 أسيرًا وأسيرة من محافظات قطاع غزة الخمس!

النتائج أظهرت تعرض (75.6%) منهم/ــن للتحرش الجنسي، فيما أكدت ما نسبته (24.4%) عدم حدوث شيء من هذا القبيل معهم، فيما آثرت ما نسبته (4.9%) عدم الإجابة.

نسبة الذكور الذين قاموا بتعبئة الاستبانة بلغت (83.3%)، والإناث (16.7%)، في حين تراوحت أعمار (61.9%) من المشاركين بين 26 و40 عامًا.

وبخصوص مدة الاعتقال، فكانت إجابة (46.3%) منهم، تتحدث عن اعتقالٍ دام بين ستة أشهر وعام، في حين قضت ما نسبته (43.9%) من المبحوثين في الأسر بين شهر وستة أشهر، أما (7.3%) فقالت إنها قضت في الأسر أكثر من عام، و(2.4%) قضت هناك أقل من شهر.

معظم الأسرى/ات الفلسطينيين/ات المشاركين/ات في الاستبانة اعتقلوا من جنوبي قطاع غزة، بما نسبته (63.4%)، بينما اعتقلت نسبة (36.6%) من شماله.

تدل هذه النتائج على أن التحرش حدث غالبًا خلال فترات "الاعتقال المؤقت" أو "التحقيق"، وهي مراحل تقلّ فيها الرقابة، ويشتد فيها الضغط النفسي، ما يشير إلى أن الأسرى الجدد هم الفئة الأكثر عرضة للانتهاكات، وربما الأقل قدرة على المقاومة أو التبليغ.

ورغم أن الغالبية من المشاركين كانوا من الذكور، فإن وجود نسبة ملحوظة من الأسيرات اللواتي أشرن إلى تعرضهن للتحرش يُعد مؤشرًا خطيرًا لانتهاك مزدوج (جنسي وجندري)، كما أن تعرض الذكور لهذه الانتهاكات يكشف عن استخدام العنف الجنسي كأداة للإذلال والكسر النفسي.

وأظهرت نتائج الاستبانة أن (66.7%) من الأسرى تعرضوا لتحرش جنسي من خلال نظرات وإيحاءات مهينة، و(66.7%) لتعرية قسرية أو إجبار على خلع الملابس، و(54.5%) لكلام وشتائم ذات طابع جنسي، و(48.5%) لملامسة جسدية غير مرغوب بها، و(36.4%) لتهديد بالاعتداء الجنسي، و(12.1%) لتحرش جنسي من خلال الكلاب.

وفيما يتعلق بأماكن حدوث الانتهاكات، أشارت نسبة (57.6%) من المبحوثين، إلى أنهم كانوا في سجون سرية، بينما أكد (33.3%) حدوث الانتهاكات بحقهم في سجن "سدي تيمان"، بينما تعرضت ما نسبته (6.1%) للانتهاكات الجنسية في سجن عوفر، و(1.3%) في سجن المسكوبية.

وأشارت النتائج إلى أن (60.6%) من عينة الأسرى/ات، تعرضوا لتحرش جنسي من قبل أكثر من شخص، و(27.3%) من قبل جنود، و(12.1%) من قبل مجندات.

كما تعرض 69.7% للتحرش والانتهاكات خلال التحقيق، و15.2% خلال الاعتقال، و9.1% أثناء وجودهم داخل السجن، و6.1% خلال النقل إلى مركز التحقيق أو المحكمة.

وأجابت ما نسبته (87.9%) من المتجاوبين مع أسئلة الاستبانة، أنهم لم يتعرضوا للتهديد بالصمت أو العقاب إن تحدثوا عن الانتهاكات، بينما تعرّض (12.1%) للتهديد حال الإفصاح عمّا جرى، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضرب حكومة الاحتلال وجنودها القوانين الدولية والإنسانية الخاصة بالأسرى بعرض الحائط.

كما أفاد (60.6%) أنهم كانوا شهودًا على تحرش جنسي بحق أسرى آخرين، في حين أكد (39.4%) أنهم لم يشاهدوا شيئًا من هذا القبيل.

شهادات صادمة

ووفق ما ورد في ردود الاستبانة، فقد شهد عدد من الأسرى حالات اعتداء جنسي، من بينها واحدة تمثلت في اغتصاب مجموعة من الجنود الإسرائيليين لأحد الأسرى في ساحة السجن، وسط حضور آخرين، في مشهد هدفه الإذلال العلني.

في حالات أخرى، حسب ما كتبت العينة، أُجبر الأسرى على التعري الجماعي، ثم جرى ضربهم على مناطق حساسة من أجسادهم بعنف مفرط.

ووردت شهادات عن استخدام أدوات صلبة، كالعصي، لإيذاء الأسرى جسديًا عبر إدخالها في مناطق حساسة، كما أجاب عدد آخر بتعرضهم للضرب على مؤخراتهم، والتهديد المباشر بالاغتصاب من قبل الجنود.

وتكررت كذلك شهادات عن قيام الجنود بتكبيل أسرى ثم الاعتداء عليهم جنسيًا، إلى جانب تعمد لمس أعضائهم التناسلية باستخدام العصي، في انتهاك فاضح للكرامة الإنسانية.

كما أبلغ بعض الأسرى عن إطلاق الكلاب عليهم، حيث استخدمت كسلاح لإيذائهم وتهديدهم بالاعتداء الجنسي، في وقتٍ قال فيه بعضهم "إن أشكال الاعتداءات شملت شتائم جنسية خادشة، وتهديدات مباشرة بالاغتصاب، خاصة ضد الأسيرات".

وتؤكد الشهادات الواردة في الاستبانة أن أنماط الاعتداء لم تقتصر على فعل محدد، بل شملت كل أشكال الإذلال الجنسي والاعتداء الجسدي والنفسي، بدءًا من التعري القسري، مرورًا بالضرب في مناطق حساسة، وصولًا إلى حالات اغتصاب صريحة وموثقة، وهو ما يشكل جريمة متكاملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني.

شكاوى وامتناع

وأظهرت نتائج العينة، تقدم (25.9%) فقط بشكاوى رسمية إلى مراكز حقوقية حول تعرضهم لتحرش جنسي، شملت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومؤسسات حقوقية لم يذكر اسمها.

 في المقابل، لم تتقدم ما نسبته (74.1%) بأي شكوى، مرجعين ذلك إلى أنهم لم يلتقوا بأي مركز منذ الإفراج عنهم، إضافة إلى عدم عثورهم على أي مركز حقوقي.

وتحدثت (35.7%) من العينة عمّا شهدوه من حوادث تحرش لأشخاص حولهم، وكانت ردود الفعل للمستمعين متراوحة بين الأسف والتعجب، والبكاء، والصدمة، بينما امتنع (64.3%) عن الحديث لأي أحد عن تلك المواقف بعضهم خشية الوصمة، أو عدم التفهم، وبعضهم بدون إبداء أسباب.

توثيق حقوقي

وإلى جانب الشهادات التي عرضها معد التحقيق، ونتائج الاستبانة، وثّقت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، شهادات صادمة عن تعرض معتقلين ومعتقلات من قطاع غزة لتحرش واعتداء جنسي من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال عامَي الإبادة.

وأكد منسق التحقيقات والشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بكر التركماني، أن الهيئة تلقت إفادات مباشرة، بينها شهادات عن قيام جنود بلمس أثداء معتقلات، وأخرى عن إدخال عصي في مؤخرات معتقلين داخل سجون إسرائيلية، ما تسبب بأضرار جسدية واضحة وُثّقت بعد الإفراج.

التركماني: "الهيئة تلقت إفادات عن قيام جنود بلمس أثداء معتقلات، وأخرى عن إدخال عصي في مؤخرات معتقلين داخل سجون إسرائيلية، ما تسبب بأضرار جسدية واضحة وُثّقت بعد الإفراج".

كما وثقت الهيئة، كما يؤكد التركماني لـ"نوى"، استخدام أساليب التنويم مع معتقلات، وكشف شعر النساء وتفتيشهن بطرق تثير الريبة، وبما يتجاوز التفتيش المسموح به دوليًا.

وأوضح أن تكرار التحرش من قبل جنود ومجندات الاحتلال بحق الأسرى الأسيرات، يعكس سياسة ممنهجة، خاصة مع تعمد نقل نساء بصحبة معتقلين ذكور، ما ينفي أن تكون هذه الأفعال سلوكيات فردية.

وأضاف: "إن تعرية المعتقلين بالكامل أمام الجنود والمجندات دليل إضافي على أن هذه الأفعال تجري ضمن منهجية ثابتة".

التركماني: "ترفض بعض الدول تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية، وتمنع إصدار أي قرار ضد الاحتلال عبر مجلس الأمن باستخدام الفيتو، ما يشجع على الإفلات من العقاب".

وشدد التركماني أن تلك الممارسات تدخل ضمن أدوات جرائم الإبادة الجماعية، كما ورد في اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، محذرًا من استمرارها في ظل غياب المساءلة الحقيقية.

وأكد أن الاحتلال يتمتع بدعم دولي يوفر له الحصانة، "حيث ترفض بعض الدول تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية، وتمنع إصدار أي قرار ضد الاحتلال عبر مجلس الأمن باستخدام الفيتو، ما يشجع على الإفلات من العقاب".

وفي ظل ما كشفه هذه التحقيق من تعرض أسرى وأسيرات لتحرش جنسي، تتضح معالم جريمة ممنهجة تتجاوز الانتهاكات الفردية إلى سياسة متعمدة يستخدمها الاحتلال كأداة قمع وإذلال نفسي وجسدي.

د.سمور: "الغالبية ممن تعرضوا لهذه الصدمات أصيبوا بحالات الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، والفزع الليلي، والأحلام المزعجة، والأرق المزمن (..) معظم الحالات بحاجة لعلاج نفسي طويل الأمد".

أخصائي الأمراض النفسية والعصبية، الدكتور عايش سمور، أكد أن ما تعرض له أسرى قطاع غزة من انتهاكات جنسية وأحداث قاسية، ترك آثارًا عميقة في نفسياتهم على المدى البعيد، مشيرًا إلى أن عددًا قليلًا منهم تجاوزها، بينما بقي الكثيرون عالقين في دوامة من الاضطرابات النفسية الشديدة، التي قد لا تنتهي قريبًا.

وقال لـ"نوى": "سيبقى ما تعرض له الأسير داخل السجون ملاصقًا له لسنوات طويلة في حالة لم يتم علاجه".

وأضاف: "الغالبية ممن يتعرضون لهذه الصدمات يصابون بحالات الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، والفزع الليلي، والأحلام المزعجة، والأرق المزمن"، منبهًا إلى أن معظم الحالات بحاجة لعلاج نفسي طويل الأمد، بنسب استجابة متفاوتة، "حيث بالعادة، يتحسن نحو 30%، في حين يرفض الباقون أصلًا التوجه لتلقي العلاج بسبب إنكار الحالة أو الخوف من المجتمع، أو لعدم توفر الدعم النفسي الكافي".

بين جدران السجون الإسرائيلية، لم يكن الأسرى يواجهون العزل والتجويع فحسب، بل كانوا يواجهون أكثر أشكال الانتهاكات فتكًا بالروح والكرامة.

شهاداتهم اليوم ليست مجرد رواياتٍ من زمن الحرب، بل وثائق حيّة تقول إن "الجسد الفلسطيني كان ساحةً مفتوحة لانتهاكاتٍ لا يسقطها الزمن، ولا تستطيع يد السياسة طيّها".

ما جرى وفق شهادات أسرى قرروا البوح، وآخرين آثروا الكتمان ليس حوادث معزولة، بل نظام متكامل من التعذيب الجنسي الممنهج! لقد بات العالم اليوم مطالبًا ليس بالاستماع فقط، بل بالتحرك، فهذه الجراح لا يداويها الصمت، ولا تُغلق إلا حين تُفتح أبواب العدالة، من أوسع محاكم العالم.