غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يكاد فصل الشتاء يعتذر عن قسوته، وما له من ذنب. ففيه تتضاعف معاناة آلاف الجرحى في قطاع غزة، خصوصاً أولئك الذين أُصيبوا بكسور معقّدة استدعت تثبيت العظام بشرائحَ ومسامير معدنية تُعرف طبياً بـ "البلاتين"، بعد شهورٍ طويلة من عدوانٍ إسرائيلي لم يرحم أحداً.
ومع كل انخفاضٍ في درجات الحرارة، تتحول الإصابات القديمة إلى جراحٍ نازفةٍ من جديد، ويصبح الألم رفيقاً دائماً لأجسادٍ أنهكها القصف، ونفوسٍ أثقلها النزوح والفقد ونقص العلاج.
ويواجه هؤلاء المصابون موسماً صعباً داخل خيامٍ مهترئة لا تقي من برد ولا من رطوبة، أو في منازلٍ مدمرة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
يشكل الشتاء عاملَ ضغطٍ صحي خطِر يهدّد بتفاقم الإصابات، ويعيد المرضى إلى دائرة الألم المستمر، مع انهيار النظام الصحي في القطاع انهياراً شبه كامل.
ويشكل الشتاء عاملَ ضغطٍ صحي خطِر يهدّد بتفاقم الإصابات، ويعيد المرضى إلى دائرة الألم المستمر، مع انهيار النظام الصحي في القطاع انهياراً شبه كامل، ونقصٍ حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وصعوبة الوصول إلى المتابعة والعلاج المتخصص. ومع غياب التدفئة المناسبة يصبح الدفء حلماً مؤجلاً، ويغدو إشعال النار، خصوصاً قرب الخيام، خياراً اضطرارياً محفوفاً بالمخاطر.
لا نومَ دون مسكنات
الجريح محمد الخواجا (22 عاماً) واحدٌ ممن تجرَّعوا آلام "البلاتين"، بعد إصابته في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، في قصفٍ إسرائيلي استهدفَ مدرسة "أسماء المشتركة"، شمالي غرب مدينة غزة، في أثناء استلامه طرداً غذائياً لعائلته.
أصابت الشظايا قدمه اليُسرى، ويده، وعينه اليُمنى. كما طالت شظايا أخرى أنحاءَ مختلفة من جسده، حسبما يروى لـ"شبكة نوى".
"نُقلتُ حينها إلى المستشفى الأهلي العربي "المعمداني"، في البداية قرر الأطباء بترَ قدمي اليُسرى بسبب تهتكٍ شديد في العظام، ثم توافقوا على محاولة إنقاذها بإجراء عمليةٍ جراحية، وزراعةِ "بلاتين" خارجي في القدم، وآخر داخلي في اليد"، يقول محمد.
بعد إصابته، يعيش الآن "حياةً جديدة" مليئةً بالألم. مشيراً إلى أن تهتك القدم من أسفل الركبة تسبَّب بقِصرٍ بلغَ نحو 8 سنتيمترات، ليصبح المشي عند محمد مهمةً شاقة لا تتم إلا بواسطة عكازين.
ومنذ دخول الشتاء، تتضاعف معاناة محمد، موضحاً بصوت يمتزج بالوجع: "أشعر بآلامٍ حادة كأنها صعقات كهربائية في القدم واليد، لا أستطيع النوم دون مُسكنات قوية".
وتحتاج قدمُه تنظيفاتٍ دورية خوفاً من الالتهابات، ولا تزال تخرج منها شظايا وعظامٌ صغيرة حتى اليوم، فيما تستدعي حالته تلّقي علاجٍ تخصصي وتركيب عظام في الخارج، وهو حلمٌ مؤجل.
لم يعد الشتاء ساحراً في نظر الطفلة سارة العطل كما كان قبل إصابتها، التي أدت إلى تركيب "بلاتين" في قدمها اليُمنى.
سارة ابنة العشرة أعوام نزحت مع عائلتها من حي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة، إلى مخيم النصيرات في المحافظة الوسطى.
وفي شهر سبتمبر/ أيلول 2025، أُصيبت بقصفٍ إسرائيلي استهدفَ مجموعةً من المواطنين في منطقة الزوايدة، كما يخبرنا والدها عمر، ما أدى إلى إصابتها بتهتكٍ شديد في عظام الفخذ الأيمن، نُقلت في إثرها إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.
"تشعر ابنتي ببرودةٍ شديدة في قدمها المصابة، يصاحبها وجعٌ لا تحتمله. تقضي هذه الطفلة يومها ملفوفةً بالأغطية الثقيلة للتخفيف من الألم".
بحسرةٍ ينظر الوالد المكلوم إلى فلذة كبده، وهي ترقد على سرير المرض، ومسامير "البلاتين" خارج قدمها، قائلاً: "كان قرار الأطباء الأول بتر القدم، قبل أن يكتشفوا نبضاً يسمح بمحاولة إنقاذها بواسطة تركيب "بلاتين" لتثبيت العظام".
مكثت الصغيرة أكثر من ثلاثين يوماً في قسم العناية المتوسطة في المستشفى البلجيكي في منطقة الزوايدة. ومع عودتها إلى الخيمة، بدأ فصلٌ جديد من المعاناة.
يضيف عمر: "تشعر ابنتي ببرودةٍ شديدة في قدمها المصابة، يصاحبها وجعٌ لا تحتمله. وكما ترى، تقضي يومها ملفوفةً بالأغطية الثقيلة". وهنا تقاطعه سارة بصوتٍ خافت: "كنت أحب الشتاء. الآن، من شدة الألم أتمنى أن ينتهي بسرعة".
خطر الالتهابات الجرثومية
من جهته، يوضح د. أحمد النبيه، نائب رئيس قسم مُختصي جراحة العظام في مجمع الشفاء الطبي، أن البلاتين معدنٌ مُوصّل جيد للحرارة، ينقل برودةَ الجو الخارجي إلى داخل الجسم، فتشعر الأنسجة والعظام بالبرد الشديد، ويزداد الألم، خصوصاً عند من لديهم "مثبتات خارجية".
ويحذّر النبيه في حديثه مع "نوى"، من أن الظروف الباردة والرطبة، لا سيّما داخل الخيام، ترفع خطر الالتهابات الجرثومية حول الجروح، وقد تزيد الأوجاع وتؤدي إلى مضاعفاتٍ خطِرة.
"مرضى العظام يحتاجون فتراتِ علاجٍ طويلة، وقد يستغرقُ الشفاء مدةً تتفاوت من تسعة شهور إلى عامٍ ونصف عند كبار السن، ومن ثلاثة إلى ستة عند الشباب والأطفال".
ويتطرق إلى أبرز أسباب تدهور حالات المصابين، منها صعوبة الوصول للخدمات الطبية، ونقص العناية بالجروح. لافتاً إلى أن نقص المعدات الطبية بلغ حدَّ استخدام بدائل اضطرارية، بل وإعادة استخدام بعض أدوات التثبيت بعد تعقيمها في حالات قصوى.
وعن مدة الشفاء، يذكر أن مرضى العظام يحتاجون فتراتِ علاجٍ طويلة، وقد يستغرقُ الشفاء مدةً تتفاوت من تسعة شهور إلى عامٍ ونصف عند كبار السن، ومن ثلاثة إلى ستة شهور عند الشباب والأطفال، في ظروفٍ طبيعية، لا تتوفر اليوم.
بين الألم والبرد، وبين خيمةٍ لا تقي ومستشفى يفتقر إلى الإمكانات، يعيش مصابو الكسور، الذين قُدَّر لهم الاستعانة بـ"البلاتين"، شتاءً يضاعف جراحهم الجسدية والنفسية. ومحمد وسارة ما هما إلا مثالان لواقعٍ أوسع، حيث يتحول الطقس إلى اختبارٍ قاسٍ للنجاة، في انتظار دفءٍ قد لا يأتي، وعلاجٍ ما زال بعيدَ المنال.
