الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على مرمى البصر، يرى المواطن علي الكيلاني حلم عمره وقد بات بعيدًا، مسلوبًا من بين يديه.. تختنق كلماته وهو يصف ما حل به وبعائلته، كما لو كان يروي كابوسًا مزعجًا صار واقعًا حيًا.
علي، من بلدة "يعبد" غربي محافظة جنين، شمال الضفة الغربية، هو واحد من خمسين نازحًا أجبرهم الاحتلال على مغادرة منازلهم في السابع من تشرين الثاني الماضي، وفرض سيطرته عليها، ليصبح مصطلح "النازح" عنوان حياتهم الجديدة.
هذا التاريخ كان نقطة فاصلة بين ما كان وما صار، حيث حُرمت تسع عائلات دفء منازلها في دقائق معدودة، وأصبحت المشاهد التي تركها الجنود في منازلهم محفورة في الذاكرة، بعد أن سمح لهم بأخذ بعض حاجياتهم قبل أن يُمنعوا تمامًا من الوصول إليها.
يصف الكيلاني مشهد التشريد قائلًا: "عشر دقائق فقط لتغادروا المنزل، هذا ما قاله لنا جنود الاحتلال عقب اقتحامهم منزلنا ومنازل الجيران"، مضيفًا: "سكنت هذا المنزل قبل ثلاثة أشهر فقط، إنه منزل العمر الذي وضعت فيه كل شيء جديد، مكون من طابقين، ويقطنه ستة أفراد".
في البداية، ظلت هذه العائلات على أمل العودة، معتقدة أن الاحتلال سيترك منازلهم بعد أيام، لكن الأيام امتدت لشهرين، والأمل بدأ يذوب، والقلوب تشتعل قلقًا على مصيرهم ومصير منازلهم.
بعد ثلاثة أيام، حاول الكيلاني التنسيق لدخول منزله وأخذ بعض الملابس، ومحاولة إخراج بضاعة الألمنيوم من محلاته الموجودة في الطابق الأرضي، لكنه فوجئ بأن المعدات والبضاعة سرقت، فيما كانت صور الجيران تشير إلى الدمار الكبير في منازلهم وممتلكاتهم، بما في ذلك هدم جدران داخل المنازل.
المشهد اتسع مع دخول المستوطنين، الذين جلبوا أغنامهم وماشيتهم إلى داخل المنازل، فيما بقي الجنود حماة لهم. يقول الكيلاني: "دخول المستوطنين للمنازل أمر مقلق، ولا يبشر بقرب انسحاب. حاولت الوصول إلى منزلي فهاجموني، وأطلق جنود الاحتلال النار تجاهي (..) نحن نواجه مصيرنا كعائلات بلا أي دعم أو مساندة، وبصدور عارية".

رئيس بلدية "يعبد"، أمجد عطاطرة، يوضح أن إدخال المستوطنين للماشية إلى منزل الكيلاني يمثل صيغة تحدٍّ واضحة واستمرارًا للتوسع الاستيطاني في المنطقة، مشيرًا إلى أن وجود الجنود الدائم يهدف لحماية المستوطنين.
ويتابع: "نشهد توسعًا فعليًا للبؤر الاستيطانية، ووجود قوات الاحتلال أصبح جزءًا من هذا المشروع، دون أي مؤشرات على قرب انتهائه".
يؤكد الكيلاني أن الاحتلال لم يكتف بحماية المستوطنين وسلب المنازل، بل تذرع بتعرض قواته لإلقاء حجارة على الطريق الاستيطاني المحاذي للبلدة، بينما المنطقة مزودة بكاميرات مراقبة تمنع أي تحرك دون تسجيل.
ويضيف عطاطرة: "الاحتلال لا يحتاج مبررات لاعتداءاته، وحكومته تصرح دائمًا بمخططاتها لضم الضفة الغربية، ويُنفذها بالقوة أمام شعب أعزل".
"بدأ الاحتلال قبل الحرب على غزة بمنح المستوطنين دورًا أكبر في التهجير، ليصبحوا رأس الحربة في منع السكان من الوصول لأراضيهم، خصوصًا حقول الزيتون".
ويصف المختص في شؤون الاستيطان جمال جمعة ما يحدث بأنه سياسة ممنهجة، وليست بجديدة، إذ بدأ الاحتلال -حتى قبل الحرب على غزة- بمنح المستوطنين دورًا أكبر في التهجير، ليصبحوا رأس الحربة في منع السكان من الوصول لأراضيهم، خصوصًا حقول الزيتون، على غرار ما قامت به العصابات الصهيونية عام 1948م.
ويشير جمعة إلى أن الحكومة الحالية للاحتلال لم تعد تتعامل مع القوانين العسكرية السابقة، بل تُحوّل مصادرة الأراضي إلى سرقة واضحة، مردفًا بقوله: "خلال عامين تم تهجير أكثر من سبعين تجمعًا بدويًا، بما يعادل ضعف ونصف مساحة غزة تقريبًا، وأقيمت 85 بؤرة استيطانية هذا العام، دون المرور بالإجراءات السابقة، كل ذلك يتم لاستغلال الظرف السياسي وتسريع ضم الضفة الغربية".
ويختم بنبرة أسرى: "ما يجري هو حرب مفتوحة، إبادة صامتة تستهدف كل شيء".
