أراضٍ أُجّرت بـ"وضع اليد".. شواهد من فوضى الإبادة
تاريخ النشر : 2026-01-11 09:03
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بسطَ مواطنون، بعد شنّ الحرب الإسرائيلية على غزة، سيطرتهم على أراضٍ ليست لهم، دون أي اعتبارٍ أخلاقي أو قانوني، منتهزين فرصةَ توتر الأوضاع، بل وتجرّأ بعضٌ ممن استولوا على أراضٍ حكومية بــ "وضع اليد"، على تأجيرها للنازحين، مستغلّين الحاجة الماسة للمأوى بأخذ مبالغ من المال، في كسبٍ غير مشروعٍ عن طريقها.

التقينا أم أشرف عساف البالغة من العمر (٥٩ عامًا) من مدينة جباليا، والتي عادت أخيراً مع عائلتها لأرضها بعد عددٍ مرهق من مرات النزوح.

كانت رائحة الليمون تفوح في أرض أم أشرف، بفضل ٣٨ شجرةً زُرعت ذات نهار، إلى أن دخلها جيش الاحتلال أول مرة في الحرب، واقتلعها وتركها جرداء.

تشعر عساف بالقلق لِئلا يقبل النازحون الخروج من أرضها الساحلية إلى مكان آخر. "إذا استدعى الأمر، سنرفع شكوى للجهات المختصة، نحن نملك جميع الأوراق الرسمية التي تثبت ملكيتنا".

دمرّت "إسرائيل" منزلها وحولّته إلى كومة ركام، فماذا عساها فعلت بالأرض؟ تخبرنا بقولها: "رفضتُ تأجيرها، فمن يضمن لي خروج النازحين حين نحتاجها، وهذا الموقف بُني على معاناة سابقة لنا في أرض أخرى نمتلكها على الطريق الساحلي شمالي غزة، حيث سمحنا للنازحين بإقامةَ مخيمٍ للإيواء عليها".

وتشعر عساف بالقلق لِئلا يقبل النازحون الخروج من أرضها إلى مكان آخر، فهذا السيناريو، حسب علمها، حدث مع آخرين.

ولا تتردد في اتخاذ موقفٍ حاسم إذا استدعى الأمر، موضحةً: "سنرفع شكوى للجهات المختصة، نحن نملك جميع الأوراق الرسمية التي تثبت ملكيتنا للأرض".

ومن باب الحيطة، حاولت المرأة الاستفسار من "الطابو" في سلطة الأراضي عن مسألة التلاعب بالملكِيات بعد الحرب، وحينها طمأنها موظفٌ فيها، بأن لا أحدَ يستطيع تغيير ملكية الأراضي الخاصة، مؤكداً لها أن سلطة الأراضي مازالت تعمل، ولم يَمسّ أحدٌ الأوراق الحكومية.

عادت عساف إلى أرضها في جباليا، وزرعت في جزءٍ منها الخضراوات، ونصبت في ركٍن آخر خيمتها، وأقامت سوراً حول الأرض من "ألواح الزينكو"، خوفًا من أن يضع الغرباء خيامهم فيها، وها هي تنتظر عودة أبنائها مع أسرهم للأرض، في خطوة أهم للحفاظ عليها.

كي لا تُمسّ سجلات الأراضي

وللوقوف على موقف سلطة الأراضي من الشكاوى والبلاغات التي تلّقتها من المواطنين بخصوص هذه التعديات، تحدثنا مع د. عماد الباز رئيس سلطة الأراضي، وبدوره أكد أن "الأراضي المسجلة في دائرة تسجيل الأراضي "الطابو" وكذلك الأراضي الحكومية لا تُكتسب ملكيتها بوضع اليد، فهي إما ملكيةٌ خاصة لأشخاص بعينهم، أو ملكية تحت تصرف الحكومة، أو أن تكون وقفاً تحت تصرف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ولا يُسمح بتأجيرها إلا من مالكيها أو المتصرفين بها".

الباز: "نتابع المخالفات ونلاحق المخالفين للمحافظة على عدم التعدي على الأراضي الحكومية، وعدم المساس بسجلات الأراضي".

 وحذّر الباز من أن تملّك ما سبق بوضع اليد يُعد "مخالفةً للقوانين والأنظمة الفلسطينية المعمول بها"، مضيفاً: "نتابع المخالفات ونلاحق المخالفين للمحافظة على عدم التعدي على الأراضي الحكومية، وعدم المساس بسجلات الأراضي".

سألناه عن الآلية التي تعمل بموجبها سلطة الأراضي لمواجهة واحدةٍ من إفرازات الحرب، وأفادنا أن استقبال الشكاوى يتم عبر خدمة للاستعلام بواسطة رابط إلكتروني، ومن ثمَّ تُتخذ الإجراءات القانونية وتُحرّر محاضر ضد المعتدين الذين يؤجّرون الأراضي، وبعدها تُحوّل المحاضر للنيابة العامة.

 ويأسف لكون أن هذه التعديات لم تصدر عن مواطنين فحسب، بل امتدت أيضاً لتجارٍ لم يتورعوا عن إنشاء مخازن لتخزين السلع على أراضٍ حكومية، وكذلك تأجيرها بمبالغ طائلة.

وبناءً على كلامه، فإن سلطة الأراضي بالشراكة مع لجنة الإيواء تعملان على إقامة مراكز إيواء منظمة، ستُقام على أراضٍ حكومية كبيرة، وقد خُصصت لذلك مساحاتٌ شاسعة من الأراضي في منطقة المشتل، وبالقرب من مدينة الزهرة وغيرها.

 ويلفت إلى أن هذه الخطوة تأتي على طريق تفريغ الأسواق والحدائق التي تمتلئ بالنازحين، لنقلهم لمراكز إيواء مناسبة.

من جهته، يذكر أحمد الدريملي مدير العلاقات العامة في بلدية غزة، أن البلدية تلّقت بلاغاتٍ تفيد تأجير مواطنين أماكن عامة، وقد تعاملت بلديته مع المشكلة دون إلحاق أي ضررٍ بالنازحين.

كما تعمل البلدية، تبعاً للدريملي، على التقليل من أماكن البسطات والخيام، خاصة في الشوارع الرئيسة، وأيضاً ستصب جهدها على تنظيم وتهيئة الأماكن العامة مثل محيط حديقة الجندي المجهول، وذلك برفع الركام منه وتقليل عدد خيام النازحين، الذين سيُوفر لهم أماكن أخرى، عبر إجراءاتٍ تنظيمية مع الشركاء، في محاولة لإيجاد مكان ملائم أكثر، دون الإضرار بالمصلحة العامة.