غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في كل مرة تخطو خديجة عفانة، البالغة من العمر (73 عامًا)، نحو مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر غربي مدينة غزة، تحمل معها أملاً صغيرًا لا ينطفئ، رُغم ثقل الخيبة التي تعرفها جيدًا.
تسأل عن ابنها هشام، تنطق اسمه بحزن، تصف ملامحه بإسهاب، تروي قصته من جديد، ثم تعود كما جاءت؛ بلا خبر، وبقلبٍ أثقل من ذي قبل.
حسب ما جاء في حديثٍ لرئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، د.رامي عبده: يتجاوز عددُ المفقودين في غزة 5 آلاف شخص.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعتيمًا كاملًا على ملف أسرى ومفقودي قطاع غزة، فلا معلومات تُعطى، ولا قوائم تُنشر، ولا مصير يُكشف.
وفي هذا الفراغ القاتل، تعيش مئات العائلات، منها عائلة هشام عفانة، على الانتظار وحده.
وحسب ما جاء في حديثٍ لـ د. رامي عبده رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، يتجاوز عددُ المفقودين في غزة 5 آلاف شخص.
اختفى هشام
تقول عفانة لـ"نوى": "آخر أثر لابني فُقد في 18 مارس/آذار 2024، في الاقتحام الإسرائيلي الثاني لمُجّمع الشفاء الطبي".
في ذلك اليوم، خرج هشام بعد صلاة المغرب لزيارة شقيق زوجته الذي كان يرقد مريضًا في المستشفى.
وتضيف السيدة المسنة: "قرر أن يبيت عنده تلك الليلة، مطمئِنًا والدته وأسرته أنه سيعود في الصباح، وإذ به صباحٌ أسود، اقتحمت فيه قوات الاحتلال المُجّمع، ومنذ تلك اللحظة، اختفى هشام، وكأن الأرض ابتلعته".
هشام، هو أبٌ لخمسة أطفال؛ بنتين وثلاثة أولاد، ويبلغ من العمر 45 عامًا. كان سندًا لعائلته، وعموداً لبيته الصغير.
هشام، هو أبٌ لخمسة أطفال؛ بنتين وثلاثة أولاد، ويبلغ من العمر 45 عامًا. كان سندًا لعائلته، وعموداً لبيته الصغير.
وتؤكد والدته أنه مدني لا ينتمي لأي جهة، ولا يشكل خطرًا على أحد. كان يعاني من مرض السكري، وآلامٍ مزمنة في ساقيه، ما يجعل القلق على صحته مضاعفًا.
وتمضى الأم بصوت أنهكه البكاء: "لا نعرف هل هو حيٌ أم اُستشهد، هل هو معتقَلٌ أم مفقود.. لا نعرف شيئًا".
سؤال لم يتوقف
لم تتوقف معاناة العائلة عند فقدان "هشام". فمنذ بداية الحرب، نزحت الأسرة أكثر من عشر مرات، من شمالي قطاع غزة إلى جنوبه، هربًا من القصف والدمار، كانوا يقيمون في شارع المخابرات بمدينة غزة، أما اليوم فيعيشون داخل خيام، يواجهون قسوة البرد والحر والحرمان، ويضيف الفقد وجعًا يوميًا لا يهدأ.
أصعب ما في الغياب، كما تقول الحاجة خديجة، هو أسئلة الأطفال، مضيفةً: "أولاده لا يتوقفون عن السؤال عنه، يسألون: "متى يعود أبي؟ هل هو بخير؟".
تصمت أمامهم، فلا جواب. تحاول أن تكون قويةً أمامهم، أن تزرع في قلوبهم أملًا، لكنها تعترف أن الانتظار ينهكها.
تواصلت العائلة مِرارًا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومع مؤسساتٍ حقوقية وإنسانية عدة، أملاً في الحصول على أي معلومة، مهما بدت بسيطة، لكن الرد يتكرر في كل مرة: "لا معلومات لدينا".
ما تعرفه أم هشام، أن سلطات الاحتلال ترفض تزويد المؤسسات الدولية بأي بياناتٍ حول الأسرى أو المفقودين من سكان قطاع غزة، ما يجعل العائلات رهينة القلق والجهل بالمصير.
لم يعد العمر مهمًا عند هذه المرأة، بقدر ما أصبح الانتظار نهجَ حياتها، كل يومٍ يشبه الذي قبله، وكل خبرٍ تسمعه تظنه قد يكون بابًا لمعرفة مصير ابنها.
وتقول الأم والدموع تنساب من عينيها: "أريد فقط أن أعرف، إن كان هشام حيًا نطمئن عليه، وإن كان شهيدًا نودّعه ونبكيه. غيابه هو العذاب الحقيقي".
في قطاع غزة، لا تُقاس الخسارة بالأرقام، بل بالوجوه التي غابت، وبالأمهات اللواتي ينتظرن على أبواب المؤسسات، وبالأطفال الذين يكبرون على سؤالٍ واحد بلا جواب.
قصة هشام عفانة، ليست استثناءً، بل واحدةً من مئات القصص التي ما زالت معلّقة. تنتظر حقيقةً، أو حتى نهاية، تخفف وطأة هذا الفقد المفتوح.
