هاتفٌ "مُشتَرك".. خصوصية في خبر كان!
تاريخ النشر : 2026-01-08 11:45

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات: 

في أصغر التفاصيل، يبدو سكان غزة وكأنهم يعيشون في كوكبٍ آخر، حتى على صعيد التكنولوجيا والانفتاح الرقمي.

 فإذا ما نظرنا إلى الهاتف المحمول الذي يُعد وسيلةً شخصية للغاية، ومفتاحًا للتواصل والتعليم والعمل، نجده- على العكس تماماً- قد أصبح جزءاً من مساحةٍ مشتركة لا حدود لها.

انقضى عامان من الحرب، وتلاشت تفاصيل الحياة المعتادة، إذ لم يعد الهاتف مجردَ وسيلة ترفيهٍ أو اتصال، بل سلعةً نادرة، ووسيلةً يتقاسمها أفراد الأسرة الواحدة للنجاة اليومية. هذه المشاركة قد تبدو بسيطة في ظاهر الأمر، إلا أنها تحمل آثاراً نفسية عميقة، حين تختلط الخصوصية الفردية بمسؤوليات جماعية.

علماً أنه إبّان الحرب الإسرائيلية على غزة، سُجلّت حالات سرقة واسعة النطاق للهواتف، ما دفع عائلاتٍ عدة إلى تقاسم هاتف واحد بسبب غلاء الأسعار. 

وكم من الغريب أن تُلقي الحرب بظلالها الثقيلة على الصغائر في حياة الغزيين، حتى الإشعار والرسالة أصبحا مَشاعاً!

في التقرير التالي تلقي "نوى" الضوء على جانبٍ من يوميات عائلاتٍ في هذا الصدد، مع التطرق إلى تأثير فقدان الخصوصية الرقمية على الصحة النفسية للأسرة.

عندما تغيب الحدود

ودّعت نهال عابد (22 عامًا) الخصوصية، منذ فقدت هاتفها المحمول، لتضطر إلى مشاركته مع شقيقتها ابتسام (19 عامًا) من أجل التواصل مع الآخرين ومتابعة الدراسة الجامعية.

هذا الواقع الجديد، لم يخلُ من التوتر والمشاجرات اليومية بين الأختين، لا سيما مع تضارب مواعيد المحاضرات والاختبارات، واختلاف أوقات الاستخدام.

اهتدت نهال لحلٍ مؤقت بتفعيل ميزة "الشاشة المنفصلة" داخل الهاتف، ما يعني مساحةً مستقلة لكلٍ منهما بكلمة مرور خاصة، في محاولةٍ للحفاظ على حدٍ أدنى من الخصوصية.

ومن مساوئ ما حدث، أنه لم يعد للرسائل أي خصوصية، إذ أصبحت جميع المحادثات متاحة لكليهما، ما شكّل عبئًا نفسيًا إضافيًا على الأختين.

اهتدت نهال إلى حلٍ مؤقت بتفعيل ميزة "الشاشة المنفصلة" داخل الهاتف، ما يعني مساحةً مستقلة لكلٍ منهما بكلمة مرور خاصة، في محاولةٍ للحفاظ على حدٍ أدنى من الخصوصية، إلى أن تسنح الفرصة لشراء هاتف خاص بها.

فيما برزت روح المسؤولية بوضوح لدى معاذ حازم (16 عامًا) تجاه شقيقه الأصغر المقداد (14 عامًا)، بعدما اضطر الاثنان إلى تقاسم هاتف واحد لأغراض التعليم، في إثر تعرّض هاتف المقداد للسرقة.

كلاهما يعتمدان على الهاتف ذاته لمتابعة دراستهما عبر التعليم الإلكتروني، وهما مُلزَمان بتنظيم الوقت بين الدراسة واللعب.

ورغم محاولتهما تقسيم ساعات الاستخدام بما يضمن استمرار التعلم، يشعر معاذ بأن هذا الواقع ينتقص من خصوصيته، لكنه في الوقت نفسه يتحمّل الأمر بدافع المسؤولية تجاه أخيه، خاصة مع الأسعار الباهظة للهواتف الذكية.

أيضاً، يبدو أبو إسماعيل الناطور غيرَ مرتاحٍ لمشاركة الهاتف المحمول مع زوجته، بعد تعطّل هاتفه.

يقول لـ"نوى": "بعد الحرب الدامية تبدّلت أولوياتنا، وغلاء أسعار الهواتف جعلنا نتهرب من الشراء، فكان الحل البديل هو مشاركة الهاتف مع زوجتي".

ويضيف: "أضطر إلى حمل الهاتف معي معظم الوقت، نظرًا لاعتمادنا عليه في استخدام التطبيقات اللازمة لشراء مستلزمات البيت، وبالتالي، سُلبت زوجتي مساحتها الخاصة في التواصل مع الآخرين بواسطة هاتفها".

ولا يخفي أبو إسماعيل استيائه من الواقع الذي خلّفته الحرب، وبمقتضاه فُرضت قيودٌ إضافية على الخصوصية والتواصل داخل الأسرة.

مشاكل عائلية

ارتفع صوت زوجة ثلاثينية (م. ن) وهي تصرخ: "اشترِ لي هاتفًا". تقول إن عملها وتواصلها مع الآخرين تضرّرا بشدة بعد سرقة هاتفها، مؤكدة أنها لا تستطيع الاستمرار على هذا النحو. في المقابل، يحاول زوجها إقناعها بأن شراء هاتف جديد في الوقت الحالي يحتاج إلى ميزانية لا طاقة لهما بها في خضّم الحياة الراهنة.

وبعد محاولاتٍ لاحتواء الموقف، استعادت الزوجة هدوءها وقالت: "إذن سنقسّم وقت استخدام هاتفك، ويكون لي نصيب للتواصل مع الآخرين. لا يمكنني الانفصال التام عن العالم". وقد وصلت مع زوجها إلى حلٍ وسط بتقاسم هاتف واحد، متغاضيةً عن أن هذا الخيار سيُضّحي بالخصوصية والاستقلال الرقمي.

"بعد سرقة هاتف زوجي، اُضطررت لمشاركة هاتفي معه، فاطّلع على رسائل "وتساب" بيني وبين أخي حول الأموال التي يرسلها لي. غضبَ كثيرًا ولامني لأنني لم أعلمه بالأمر".

بينما تصارحنا الأربعينية أماني عمر (اسم مستعار) لـ"نوى": "لم تكن فكرة مشاركة الهاتف مع زوجي جيدة، ويا لنتائجها الكارثية".

وتشرح أماني: "كان أخي يرسل لي مبلغًا ماليًا عبر محفظتي الخاصة، ولم أخبر زوجي بذلك، فهو مال خاص بي لتلبية احتياجاتي، وقررت صرفه في البيت لتلبية الحاجات الأساسية لأبنائي. بعد سرقة هاتف زوجي، اُضطررت لمشاركة هاتفي معه، فاطّلع على رسائل "وتساب" بيني وبين أخي حول الأموال التي يرسلها لي. غضبَ كثيرًا ولامني لأنني لم أعلمه بالأمر".

أفضى الخلاف إلى مشكلة كبيرة امتدت لأسبوعين حتى فهم زوجها نيّتها، والخلاصة على لسانها: "الهاتف المشترك قضى على خصوصيتي، لكن ما باليد حيلة أمام غلاء الأسعار".

في حين أن نور التي تعمل صحفيةً، "وقعت في ورطة" بعد سرقة هاتفها، حسب تعبيرها، ما اضطرها إلى مشاركة الهاتف مع زوجها الذي يعمل طيلة النهار خارج المنزل، بينما الرسائل والإشعارات الخاصة بها تصل إليه في تلك الأثناء.

مصالح نور جُلّها تعطلت، ولم تعد قادرة على التواصل مع المؤسسات عبر "وتساب" أو وسائل التواصل الأخرى بسبب فقدان هاتفها.

وتسترسل في حديثها: "مجبرةٌ على التواصل مع الآخرين وقت المساء، وكذلك متابعة "جروبات المدرسة" لأطفالي، لأن الجميع يشترك بالهاتف ذاته، ما يؤدي أحيانًا إلى ضياع الوقت، سواء في عملي أو متابعة الدراسة".

وليس بمقدور نور شراء هاتفٍ جديد، رغم حاجتها الملحة، نظراً لازدحام الأولويات، بعد فقدانها بيتها وكل ما تملك، والبدء من جديد في متطلبات الحياة كافة، تبعاً لحديثها.

تفاقم النزاعات

ما ترويه العائلات ليس مجرد ضيق عابر، بل مؤشرات على ضغط نفسي متراكم، يفسّره مختصون بوصفه نتيجةً مباشرة لانتهاكٍ قسري للخصوصية، حيث يرى اختصاصي الصحة النفسية سعيد الكحلوت أن الهاتف لم يعد أداة تواصل أو ترفيه فحسب، بل تحوّل إلى مساحة نفسية شخصية تحمل أفكار الفرد وعلاقاته ومشاعره.

ووفقاً لحديثه، فإن تقاسم هاتف واحد داخل الأسرة، يؤدي إلى تآكل الحدود النفسية بين الأفراد، وسلب الإحساس بالمساحة الخاصة، ما يولّد توترًا داخليًا ويضعف الشعور بالاستقلال النفسي. 

ويوضح الكحلوت أن الأطفال والمراهقين هم الأكثر تأثرًا بهذا الواقع، لأنهم في مرحلة بناء الهوية ويحتاجون إلى مساحة آمنة للتجربة والتعبير عن الذات، بينما يؤدي غياب الخصوصية الرقمية إلى الكبت أو التخفّي والكذب، ما ينعكس سلبًا على ثقته بنفسه وشعوره بالأمان. 

وبشأن ما يترتب على غياب الخصوصية الرقمية، فإن تفاقم التوتر والنزاعات الأسرية يأتي في المقدمة، ويتجلى في شكل شجارات متكررة، وعصبيةٍ زائدة، وانسحابٍ، وعدوان لفظي، أو تعمد إخفاء الهاتف، معتبرًا هذه السلوكيات ردود فعل دفاعية على انتهاك الحدود النفسية. 

"النساءَ أكثر عرضة للضغط النفسي، خشيةَ سوء الفهم أو التأويل الاجتماعي للمكالمات والرسائل، ما قد يقود إلى كبت المشاعر، وتراجع التعبير عن الذات، وانخفاض تقدير النفس".

وفي السياق نفسه، يشير الكحلوت إلى أن النساءَ أكثر عرضة للضغط النفسي، خشيةَ سوء الفهم أو التأويل الاجتماعي للمكالمات والرسائل، ما قد يقود إلى كبت المشاعر، وتراجع التعبير عن الذات، وانخفاض تقدير النفس، وصولًا إلى قلق مزمن أو اكتئاب صامت.

ويشدد على ضرورة اعتراف الأسر بأن الخصوصية حاجةٌ نفسية أساسية وليست رفاهية، بوضع قواعد واضحة لاستخدام الهاتف المشترك، واحترام الرسائل والمكالمات، وتعزيز الحوار والثقة بدلاً من المراقبة والتفتيش.

أسعار خرافية 

الآثار النفسية لا تنفصل عن واقع اقتصادي خانق، يفسّره أصحاب محال الجوالات، كونه نتيجةً مباشرة للحرب والقيود المفروضة على الاستيراد.

وبدوره، يقول محمود حجازي، صاحب محل جوالات: "إن أسعار الهواتف المحمولة في غزة شهدت ارتفاعًا "خرافيًا" فترة الحرب، نتيجة إغلاق المعابر وتعطّل الاستيراد، ما حوّل الهاتف من أداة أساسية إلى سلعة بعيدة المنال".

ويوضح أن الأوضاع لم تتحسن كثيرًا حتى بعد وقف إطلاق النار، إذ لا تزال الأسعار مرتفعة ولا تتناسب مع دخل ذوي الرواتب المحدودة، ناهيك عن نقصٍ واضح في توفر الأنواع المختلفة من الهواتف. 

ويشير إلى أن التجار غير قادرين على استيراد الكميات التي يحتاجها السوق، لافتًا إلى أن أسعار الهواتف الحالية تقارب ضعف أسعارها السابقة، بسبب استمرار آلية "التنسيق" التي تشكّل عائقًا كبيرًا أمام انخفاض الأسعار.

ويأمل حجازي في رفع القيود وإلغاء إجراءات التنسيق المفروضة على الهواتف، باعتبارها خطوة أساسية نحو خفض الأسعار، مؤكدًا أن الانخفاض الحالي ما يزال محدودًا ولا يُقارن بما كانت عليه الأسعار قبل الحرب.