الخرّيجة لينا وحدها في الصورة!
تاريخ النشر : 2026-01-08 10:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ثمة أحزانٌ في الحياة لا يمكن أن تشعر بها إلا لو عشتها، فمهما جرّبتَ أن تتعاطف مع صاحبها لن تفلح في فهم عمق الألم الذي تشعر به فتاة فقدت كلَ عائلتها، ومن ثمَّ مرت شهور قليلة بعدها، وأخيراً جاء يومٌ طال انتظاره، وحانت لحظةٌ تاقت لها كثيراً، ترتدي فيها بزهوٍ ثوبَ تخرجها من الجامعة.

شجنٌ تلو الشجن، تنزّل على قلب لينا الجرو، البالغة من العمر (23 ربيعاً)، عندما أمسكت هاتفها المحمول كي تلتقط صورةً لها، وحيدةً، لا مؤنس لها سوى بيتٍ سَوّته طائرات الاحتلال أرضاً، يظهر خلفها، وقد دُفن بين طوابقه كل من تُحب.

يتيمةٌ الصورة كصاحبتها؛ يواسيها عبثاً ركامُ البناية. ما من أحدٍ يعرف كيف استجمعت لينا شجاعتها، كي توثّق لحظةً كان يُفترض أن تجمعها بعائلتها، ليحتفلوا بتخرجها بأجواء يغمرها الحب والفرح.

يتيمةٌ الصورة كصاحبتها؛ يواسيها عبثاً ركامُ البناية. وما من أحدٍ يعرف كيف استجمعت لينا شجاعتها، هي التي اختنقَ الكمد في صدرها، كي توثّق لحظةً كان يُفترض أن تجمعها بعائلتها، ليحتفلوا بتخرجها في أجواء يغمرها الفرح والحب.

لقد قلَّب التخرج عليها مواجعَ فقدٍ لا يهدأ، أكثر مما شدّ من أزرها. تحوّلَ الإنجاز الأكاديمي إلى حِملٍ ثقيل من الحنين. وفي المقابل، حملَت نفحاتُه رسالةً مفادها أن لينا ومع كل ما خسرت، أكملت الطريق التي أرادها لها أحبُ الناس إليها، ماضيةً قُدماً في حياةٍ لا تترك للناجين غير صراعٍ محموم بين القوة والوحدة.

العائلة تحت الحصار

قبل الموت، كانت عائلة لينا تحرص أشد الحرص على التجمع في مكان واحد، ومهما اشتدّ القصف أو ضاقت المساحات الآمنة، حاولوا خلقَ لحظاتٍ عادية وسط جحيم لا يتوقف.

في الرابع والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، اجتمعت العائلة رغم ظروف النزوح والخطر المستمر، في لقاءٍ بدا مألوفاً حينها، قبل أن يتحوّل لاحقًا إلى آخِر ما جمعهم.

تغمض الصبية الناجية عينيها وتتذكر: "كنا نجتمع لنطمئن على بعضنا، ما كنا نعرف إنه هدا اللقاء رح يكون الأخير".

تحكي لينا عن صبيحة ذلك اليوم: "توجّهتُ إلى مستشفى المعمداني، حيث انضممتُ للتطوع إلى "الهلال الأحمر الفلسطيني"، رأيت المصابين والجرحى يتوافدون تباعًا، أردت أن أقدّم لهم شيئًا، وأن أخفّف عنهم آلامهم ولو قليلًا، محاولةً التغلب على قلقي على عائلتي".

تواصل لينا الحديث لمراسلة "نوى" بجمل متقطعة، كل فاصلة ونقطة تخرج فيها التنهيدة محترقة: "عرفت أن قوات الاحتلال الإسرائيلي حاصرت المنطقة التي تقيم فيها العائلة. حاولت التواصل مع أهلي مراتٍ عدة، إلا أن ضعف شبكة الاتصال حال دون ذلك، ثم أخيراً وبعد ساعات من القلق المجنون، تمكّنت والدتي من الردّ، طمأنتني أن الجميع بخير، وأوصتني "خلي بالك من نفسك"، ولم يكن أمامي إلا أن أمكث في المستشفى".

في الأيام التالية، تناقلت الروايات مصير العائلة؛ قِيل إنها غادرت المنزل، وآخرون أفادوا انتقالها إلى مكان أكثر أمانًا. تاهت لينا بين الاحتمالات المتباينة، متشبثةً بأملٍ ضئيل وسط انتظار ثقيل.

نجوتُ لحكمة

في السابع والعشرين من فبراير الفائت، انسحبت قوات الاحتلال من المنطقة، وهرعت لينا تسابق الريح إلى هناك. في الطريق، أخبرها أحد الجيران أن العمارة قد انهارت جراء القصف.

"ركضتُ بأسرع ما أستطيع، واختصرتُ طريقًا يستغرق ربع ساعة إلى دقائق قليلة. سقطت في أثناء الركض وأُصيبت ركبتي، لكني واصلت السير".. تصف لينا المشهد وبعدها يُلقها الصمت في وادٍ سحيق.

لقد وجدت بناية العائلة المكوّنة من ستة طوابق دُفن جزءٌ كبير منها في باطن الأرض، وتحت الأنقاض، اُستُشهد 35 فردًا.

وقفت لينا أمام الركام، عاجزةً عن استيعاب حجم الفقد، قبل أن تنهار قبالة المكان الذي كان يومًا بيتًا وحضناً.

حدسُها حدّثها مراراً أن نجاتها لم تكن مصادفة، وإنما لحكمة، "ربنا خلّاني عشان أكمّل رسالتهم (..) رأيت عائلتي في كل خطوة، وتخيّلت فخرهم بي لو كانوا حاضرين".

لم ينتهِ الألم عند حدود الفقد، بل بدأت لينا فصلًا جديدًا من المعاناة، وجدت فيه نفسها الناجية الوحيدة، لا أحدَ إلى جانبها. واجهت الوحدة الجاثمة بين جناحيها، فما بين نزوحٍ متكرر، ومجاعةٍ أنهكت تفاصيل الحياة اليومية، ومحاولاتٍ مستمرة للبحث عن حدٍّ أدنى من الاستقرار، لا يجد الناجون وقتًا كافيًا للحزن. لم يكن الفقد وحده ما أثقلها، بل الاستمرارَ في الحياة من دونهم.

 واصلت مسيرتها التعليمية، واستوفت متطلبات تخرّجها من تخصص العلاقات العامة في جامعة الأقصى، معتمدة على التعليم الإلكتروني، كبقية الطلبة، ولم تسمح للوجع أن يثنيها عن بلوغ هدفها.

حدسُها حدّثها مراراً أن نجاتها لم تكن مصادفة، وإنما لحكمة، موضحة: "ربنا خلّاني من بينهم عشان أكمّل رسالتهم". وتعقّب بالقول: "رأيت عائلتي في كل خطوة، وتخيّلت فخرهم بي لو كانوا حاضرين".

وتختم لينا برسالة تحدٍ، رغم كل ما حلّ بها: "كطائر العنقاء، نُولد بعد الانكسار. لن ينال شيءٌ من إيماننا بأن "الله كبير"، وحتماً سيعوضنا عن كل ما فقدناه، وما علينا إلا الصبر والاحتساب".