في ظل العجز الاقتصادي.. التعليم الجامعي "امتيازٌ" مؤجّل!
تاريخ النشر : 2026-01-06 09:32

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تعد الطريق إلى الجامعة في غزة تمرّ عبر بوابات الحرم الجامعي فقط، بل عبر طوابير من القلق، وحسابات عجز، وانتظار طويل أمام سؤال واحد: هل ما زال التعليم ممكنًا؟

بعد حرب مدمّرة أنهكت العائلات، ودمّرت مصادر الدخل والبنية التعليمية معًا، وجد آلاف الطلبة أنفسهم أمام معادلة قاسية: رغبة عنيدة في التعلم، مقابل عجز اقتصادي يحاصر الحلم من كل الجهات.

في هذا الواقع، لم تعد الرسوم الجامعية أرقامًا في جداول مالية، بل تحوّلت إلى عائق إنساني يؤجل مستقبل جيل كامل، ويعيد إنتاج الحرمان بصيغ جديدة. كل طالب يضطر لتعليق دراسته، أو الانسحاب منها، هو مشروع حياة يُدفع قسرًا نحو الانتظار، في قطاعٍ لم يعد يحتمل المزيد من الأعوام الضائعة.

ندى رائد سليم (19 عامًا) واحدة من هؤلاء. أنهت الثانوية العامة بمعدل 84%، والتحقت بتخصص إدارة الأعمال ونظم المعلومات الإلكترونية في جامعة الأقصى، وهي تحمل صورة متخيلة عن حياة جامعية لطالما انتظرتها.

في الفصل الأول، كان التسجيل مجانيًا، لكن التجربة لم تكتمل. توضح ندى لـ"نوى" أنها لم تشعر بأنها طالبة جامعة، فالتعليم الإلكتروني حرمها من التفاعل الوجاهي الذي يشكّل جوهر العملية التعليمية، وتقول: "بعد تقديم امتحانين فقط، قررت وقف الفصل، ثم الانسحاب الكامل، بسبب ارتفاع الرسوم وغياب التعليم الوجاهي". قرار ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لديها، وتركها معلّقة بين الخوف من ضياع مستقبلها، والعجز عن الاستمرار.

قصة ندى لا تختلف كثيرًا عن كرم جبر (18 عامًا)، الذي أنهى الثانوية العامة هذا العام بمعدل (80%) في الفرع الأدبي. كان يحلم بدراسة التمريض في الجامعة الإسلامية، لكن فرحته اصطدمت بواقع اقتصادي قاسٍ.

"الحرب سلبت منا أحلامنا"، يقول كرم بصوت مثقل بالحزن، متمنيًا أن تعيد الجهات المختصة النظر في الرسوم التي لم تعد تتناسب مع واقع العائلات، وواقع التعليم أيضًا.

والده، الذي كان يعمل في بقالة لبيع المواد الغذائية، توقف عن العمل بعد الحرب التي "قلبت غزة رأسًا على عقب"، كما يصف كرم. وأمام هذا الواقع، بات التسجيل في الجامعة أمرًا شبه مستحيل، فاختار تأجيل حلمه الجامعي على أمل أن تتحسن الظروف.

"الحرب سلبت منا أحلامنا"، يقول بصوت مثقل بالحزن، متمنيًا أن تعيد الجهات المختصة النظر في الرسوم التي لم تعد تتناسب مع واقع العائلات، وواقع التعليم أيضًا الذي بات يعتمد على الإنترنت وأضاف تكاليف أخرى على كاهل الطلبة.

مع استمرار الاعتماد على التعليم الإلكتروني أو المدمج، تتفاقم الأزمة أكثر. فغياب التعليم الوجاهي لا ينعكس فقط على التحصيل الأكاديمي، بل على الاستقرار النفسي والدافعية، ويجعل التجربة الجامعية باهتة ومجزأة، خاصة في تخصصات تحتاج إلى مختبرات وتفاعل مباشر.

في المقابل، تقول الجامعات إنها تعيش أزمة لا تقل تعقيدًا. د.بسام السقا، نائب رئيس الجامعة الإسلامية للشؤون الأكاديمية، يوضح لـ"نوى" أن الجامعة تعتمد حاليًا نظام الدوام الوجاهي الجزئي الاختياري، مراعاة لظروف الطلبة، في ظل تدمير يتجاوز (80%) من مرافقها. ويشير إلى أن التعليم الوجاهي شمل قرابة نصف الطلبة الجدد وبعض التخصصات العلمية، مع خطة للتوسع في الفصل القادم.

وفيما يتعلق بالرسوم، يبيّن السقا أن الطلبة الجدد حصلوا على إعفاء في الفصل الأول، بينما يدفع الطلبة القدامى نصف الرسوم بنظام التقسيط، دون وضوح الرؤية لما بعد ذلك.

وتتراوح رسوم الساعة الدراسية بين 15 و28 دينارًا في معظم الكليات في الجامعة الإسلامية، باستثناء الطب التي تصل رسوم الساعة فيها إلى 100 دينار.

"العودة إلى التعليم المدمج بدأت تدريجيًا، أما فيما يخص الرسوم، فالأوضاع الاقتصادية السيئة تطال الجميع. الجامعات تسير على نهجها السابق، مع بعض الاستثناءات في الإعفاءات والتقسيط".

على مستوى السياسات العامة، يقرّ المتحدث باسم التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم، د. عبد الحميد اليعقوبي، بأن القطاع التعليمي لا يزال في مرحلة تعافٍ هشّة.

ويوضح أن العودة إلى التعليم المدمج بدأت تدريجيًا، خاصة في التخصصات العلمية، مع توقعات بتوسّعها لاحقًا. أما فيما يخص الرسوم، فيؤكد أن الأوضاع الاقتصادية السيئة تطال الجميع، وأن الجامعات تسير في الغالب على نهجها السابق، مع بعض الاستثناءات في الإعفاءات والتقسيط.

لكن غياب داعمين حقيقيين للتعليم العالي، إلى جانب الأزمة المالية التي تعاني منها الوزارة، يجعل دعم المنح محدودًا وبطيئًا. ويشير اليعقوبي إلى أن عدم تسليم الشهادات للطلبة المتراكم عليهم الرسوم يشكّل معضلة حقيقية، في ظل واقع معيشي يزداد سوءًا.

بين طلبة مثقلين بالهموم، وجامعات تحاول الصمود بموارد شحيحة، ووزارة تعاني ضيق الإمكانيات، تتعمّق أزمة الرسوم الجامعية في قطاع غزة، مهددة بتحويل التعليم من حق أساسي إلى امتياز مؤجل، وبترك جيل كامل عالقًا بين طموح لا ينطفئ، وواقع لا يرحم.