الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في السادسة صباحًا، كان الضباب يغلّف أطراف قرية الولجة غربي بيت لحم، كأن المكان يستعدّ لحدثٍ ثقيل. لم توقظ عائلة معالي طرقاتٌ على الباب، ولا نداءات تحذير، بل هدير سلاسل الحديد. صوت الجرافات شقّ الصمت، وتقدّم نحو البيت قبل أن يصل إلى آذان ساكنيه.
"افتحوا.. لازم تطلعوا فورًا"، على وقع هذه العبارة الصاخبة ببرودها، استيقظ قسّام خالد معالي، الرجل الذي قضى أكثر من عشر سنوات يتنقل بين المحاكم محاولًا حماية بيته. لم يكن يعلم أن هذا الصباح سيحسم معركة طويلة بدأت عام 2013م، وأن البيت الذي صمد بالملفات والأوراق، ستسقط حجارته تحت أنياب الجرافات بلا رحمة.
البيت، الذي تبلغ مساحته 120 مترًا ويضم شقتين، كان قد نجا سابقًا بقرار تجميد هدم صدر عام 2015م. خمس سنوات عاشتها العائلتان على قلق مؤجل، إلى أن أعادت الحرب على غزة الملف إلى الواجهة.
تقدّم الجنود، انتشروا حول المكان، وكانت الأوامر واضحة: الهدم الآن. يصف قسام اللحظة بكلمات قليلة: "صحّونا وقالوا اطلعوا.. الجرافات كانت فوق البيت". لم يكن هناك وقت للاعتراض، ولا مجال لانتظار جديد.
البيت، الذي تبلغ مساحته 120 مترًا ويضم شقتين، كان قد نجا سابقًا بقرار تجميد هدم صدر عام 2015م. خمس سنوات عاشتها العائلتان على قلق مؤجل، إلى أن أعادت الحرب على غزة الملف إلى الواجهة.
خلال أقل من شهر، جاء القرار النهائي: لا تجميد، لا تأجيل. السبب الرسمي كان قرب البيت من مستوطنة "هار غيلو"، ووقوعه في منطقة يُمنع فيها البناء.
قسام يرى المشهد من زاوية أخرى: "المستوطن اللي قدامنا هو اللي بجيب الجيش.. بس إحنا أصحاب الأرض" يقول بينما يراقب البيت وهو يتحول إلى كتل إسمنتية بلا شكل.
حين بدأت الجرافات عملها، ساد صمتٌ ثقيل. الأطفال اختفت أصواتهم. أيان، ابن الثماني سنوات، ظل يكرر جملة واحدة وهو يتابع سقوط الجدران: "كل ألعابي راحت.. داري راحت". كانت عيناه أوسع من عمره، كأن المشهد أكبر من قدرته على الفهم.
ربحي، شقيق قسام، وقف بعيدًا يراقب دون صراخ أو دموع. "هذا تهجير"، قال بهدوء موجع، "بدهم يقطعونا عن أرضنا". عشرة أطفال خرجوا من البيت بلا مأوى، بلا خطة، وبسؤال واحد يلاحقهم: إلى أين؟
البيت لم يكن جدرانًا فقط، بل ذاكرة كاملة: رائحة خبز، ضحكة، لعبة على الأرض. ومع ذلك، سقط خلال دقائق. يختصر قسام ما حدث: "هدموا البيت.. بس ولا عمرهم بيقدروا يهدمونا".
مع حلول المساء، بقي الركام شاهدًا صامتًا. رفع قسام رأسه، وقال بصوت يختلط فيه الغضب بالعزم: "ما رح أطلع.. هاي بلدي. بدل البيت، عشرة بنبني". في الولجة، لا ينتهي الهدم عند الجرافة، بل يبدأ عند الإصرار.
