غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أن تشرق الشمس بقليل، تجلس أم محمد فروانة، ذات الحادية والأربعين عامًا، القرفصاء أمام ثلاث مكعبات من الحجارة المرصوصة بعناية على أرضية خيمتها داخل مخيم إيواء غربي مدينة غزة.
تنفخ في بقايا حطب رطب جمعه ابنها من أطراف شارع مدمّر، فيتصاعد دخان كثيف يملأ المكان الضيق. تسعل، تمسح دموعها بطرف شالها، ثم تعود إلى النفخ من جديد، وكأنها تحاول إنقاذ النار قبل أن تنطفئ، أو إنقاذ يوم كامل قبل أن يبدأ.
"لا خيار آخر"، تقول وهي تقلّب قدر العدس، مضيفة: "سجلنا على رابط الغاز أكثر من مرة، لكن الدور لم يصلنا" تقولها بلهجة عابرة، كأنها تتحدث عن أمر معتاد، لا عن غياب واحد من أبسط مقومات الحياة.

رغم وقف إطلاق النار في غزة منذ أكتوبر الماضي، لا تزال القيود المفروضة على القطاع تحكم تفاصيل الحياة اليومية. مفارقة قاسية تكشف أن توقف القصف لم يعنِ نهاية المعاناة، وأن غاز الطهي، بوصفه حقًا معيشيًا أساسيًا، لم يعد مسألة نقص مؤقت أو خلل لوجستي، بل تحوّل إلى أداة ضغط بطيئة، تتسلل آثارها إلى المطابخ والرئات وأجساد الأطفال.
داخل الخيمة، يختنق طفل فروانة الصغير من الدخان، فتفتح فتحة صغيرة في القماش ليدخل بعض الهواء البارد. في غزة، حيث لا يزال غاز الطهي شحيحًا، عادت آلاف العائلات إلى الحطب والكرتون وبقايا الأخشاب لإعداد طعامها اليومي، في مشهد يعكس عمق أزمة لم تتغير ملامحها، رغم انتهاء المعارك.
لم تعد فروانة تكتفي بالحطب. بعد أسابيع من البحث، صار العثور عليه أصعب من الحصول على الغاز نفسه. تشير إلى كومة صغيرة من الأخشاب قرب الخيمة وتقول: "هذا الحطب اشتريته بثمن وجبة كاملة. كنا نأكل به خبزًا ولحمًا، اليوم نحرقه لنطبخ العدس فقط".

في شوارع غزة المدمرة، تحوّل الحطب إلى سلعة نادرة. بقايا أبواب مكسورة، ألواح خشبية من منازل مدمّرة، وحتى صناديق فاكهة قديمة، باتت تباع بأسعار مرتفعة، تضاعفت خلال أشهر قليلة. "زمان كنا نلتقطه من الأرض"، يقول زوجها أبو محمد وهو يجر عربة يدوية محمّلة بقطع خشب غير متناسقة، "أما اليوم أشتريه بالقطعة، وكل يوم السعر أعلى من أمس" يستدرك.
داخل الخيمة، لم يعد الدخان عارضًا مزعجًا، بل جزءًا ثقيلًا من الحياة اليومية. الجدران القماشية اسودّت، الأواني تغيّر لونها، ورائحة الاحتراق علقت بالملابس والبطانيات. "أطفالي ينامون وهم يسعلون"، تقول فروانة، مضيفة: "أحيانًا أطفئ النار قبل أن ينضج الطعام، فقط لأن صدورهم لم تعد تحتمل".
"العائلات التي سجّلت ولم يصلها الدور، أو عجزت عن دفع ثمن الأسطوانة، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى وسائل بدائية وخطرة".
رغم ذلك، لا تملك خيارًا آخر. فغزة لم تتلقَّ سوى نسبة ضئيلة من احتياجها الفعلي من غاز الطهي، بينما بقيت الأوضاع الاقتصادية على حالها. العائلات التي سجّلت ولم يصلها الدور، أو عجزت عن دفع ثمن الأسطوانة، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى وسائل بدائية وخطرة. تردف فروانة: "الغاز صار حلمًا.. كنا نعد الأيام لنرتاح من الحطب، اليوم نعد الأيام لنجد ما نطبخ به".
على مقربة من خيمتها، تجلس جارتها أم يوسف العبسي، ذات الثمانية والثلاثين عامًا، تحرّك قدرًا آخر فوق نار مشتعلة. تضحك بسخرية وتقول: "نعيش حصارًا داخل حصار. الغاز محاصر، والمال محاصر، وحتى الهواء صار محاصرًا بالدخان".
تعاني العبسي من الربو منذ سنوات، لكن حالتها تفاقمت منذ اضطرت للعودة إلى الطبخ على الحطب. مع كل إشعال نار، يبدأ السعال، تدمع عيناها، ويضيق النفس حتى تضطر أحيانًا لمغادرة الخيمة وترك الطعام على النار. "أحيانًا أطفئ الحطب وأترك القدر، لأن نفسي لا يستطيع أن يكمل معي الرحلة"، تقول بصوت متعب، "لكن أطفالي جائعون".
يجلس طفلها الأصغر وقد احمر وجهه من الدخان. يعاني هو الآخر من حساسية في الصدر، تزداد حدتها مع كل وجبة تُطهى على الحطب. "الولد يسعل طوال الليل"، تقول، وتكمل: "البخاخ نستخدمه بحذر لأنه لم يعد متوفرًا دائمًا".
ومع حلول المساء، تهدأ نوبات السعال قليلًا، لكن الصدر يبقى مثقلًا. "أخاف من النار أكثر من القصف"، تزيد بهدوء صادم، "لأنها تقتلنا ببطء، ونحن نراها كل يوم".
من جهته، يقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة "إن الاحتلال يواصل تنفيذ سياسة خنق ممنهجة بحق السكان، عبر تقليص كميات غاز الطهي المسموح بدخولها، في انتهاك واضح لاتفاق وقف إطلاق النار".
الثوابتة: "الحديث عن تحسن الأوضاع بعد الحرب مضلل (..) الواقع اليومي يقول إن المواطن ما زال يطهو على الحطب، ويتعرض لمخاطر صحية جسيمة".
ويوضح أن ما دخل القطاع حتى ديسمبر 2025م لا يتجاوز 16% من الاحتياج المتفق عليه، واصفًا هذه النسبة بأنها "كارثية وغير قابلة للحياة".
ويشير إلى أن آلية التوزيع تعتمد نظامًا محوسبًا يراعي عدد الأسر ويمنع التكرار، ومع ذلك لم تتمكن غالبية العائلات من الحصول على حصتها، التي لا تتجاوز ثمانية كيلوغرامات في الدورة الواحدة، فيما باتت الدورة تستغرق نحو ثلاثة أشهر. "الحديث عن تحسن الأوضاع بعد الحرب مضلل"، يقول، مردفًا: "الواقع اليومي يقول إن المواطن ما زال يطهو على الحطب، ويتعرض لمخاطر صحية جسيمة".
في غزة، لا تزال النار مشتعلة تحت قدور النازحين، لا لتطهو الطعام فقط، بل لتكشف أن الحرب، وإن صمتت مدافعها، لم ترفع يدها بعد عن تفاصيل الحياة.
