من محمد إلى محمود.. عائلة الدُّرة في ساحة ثأرٍ مفتوحة!
تاريخ النشر : 2025-12-29 09:50

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن يخطر ببال الفتى محمود جمال الدرة (16 عامًا) أن خروجه لجمع الحطب، كما يفعل معظم فتيان مخيم البريج في ظل شح غاز الطهي، سيقوده بقدميه إلى ساحة ثأر مفتوحة منذ خمسٍ وعشرين سنة. خرج ماشيًا، وعاد بقدم واحدة، لا لذنبٍ اقترفه، سوى أنه شقيق الشهيد الطفل محمد الدرة.

منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، تعيش أسرة الشهيد محمد الدرة تحت استهداف متواصل لا يستند إلى أي مبرر. العائلة التي لا تنتمي إلى أي تنظيم فلسطيني، وجدت نفسها فجأة في مرمى القصف، بعدما حوّل الاحتلال منزلها إلى ركام عبر غارة جوية متعمدة، كأن الاسم وحده كافٍ ليكون تهمة دائمة.

لم يتوقف الاستهداف عند هدم المنزل. لاحقًا، اغتال الاحتلال الابن الشاب أحمد (33 عامًا) بعد قنصه بواسطة طائرة "كواد كابتر"، ليسقط شهيدًا على الفور. يقول والده جمال الدرة لـ"نوى": “أحمد لم ينخرط يومًا في أي تنظيم فلسطيني، كان يعمل في تصليح الثلاجات، وكان عمود البيت، يجمع الحطب، ويتسوق، ويقوم بكل المهام الخارجية. استُهدف فقط لأنه شقيق محمد الدرة".

بعد استشهاد أحمد، أصبح محمود اليد اليمنى للأسرة. حمل على عاتقه مسؤوليات تفوق عمره الصغير، مهام شاقة تتطلب جهدًا بدنيًا قاسيًا، كان أصعبها جمع الحطب من مناطق شرقي مخيم البريج، حيث تتمركز قوات الاحتلال على مقربة خطرة.

في أحد تلك الأيام، وبينما كان محمود برفقة أصدقائه يجمع الحطب، سقط أرضًا فجأة. لم يفهم ما حدث في اللحظة الأولى، قبل أن يكتشف إصابته بطلقة كاتمة للصوت في قدمه. في تلك الأثناء، بدأ جنود الاحتلال إطلاق النار بكثافة فوق رؤوس أصدقائه لإجبارهم على تركه والانسحاب. وما إن تفرقوا، حتى أحاط الجنود به، وربطوا ساقه المصابة من فوق الركبة ربطًا محكمًا وقاسيًا.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. انهال الجنود على محمود ضربًا مبرحًا. يقول والده: "قالوا له قتلنا شقيقك أحمد وهدمنا منزلكم، وأروه صورتي وصورة أمه، وهددوه بقتلها. كانوا يدوسون بأقدامهم على موضع الإصابة، ويعبثون بها بأصابعهم، ويسكبون عليها الكوكاكولا".

منذ العاشرة صباحًا، لحظة إصابته، وحتى السادسة والنصف مساءً، ظل محمود يتعرض للضرب والإهانة. لم يسمحوا له حتى بشربة ماء. حاولت العائلة التواصل مع الصليب الأحمر، لكن الرد جاء بالعجز عن التدخل. لاحقًا، اتصلت قوات الاحتلال بالصليب الأحمر وطلبت منهم الحضور لاستلامه، ليُنقل بعدها إلى مستشفى شهداء الأقصى لتلقي العلاج.

ساعات الاعتقال القليلة كانت كفيلة بتغيير حياة محمود وأسرته إلى الأبد. بسبب الربط المتعمد للساق والضرب المبرح، أخبر طبيب الأوعية الدموية والده بأن بتر الساق بات ضروريًا. يقول جمال الدرة: “لم أستوعب الخبر. الجرح لم يكن غائرًا، كيف سيبترون رجله؟ رفضت ذلك، فطلب الطبيب من الطاقم إجراء عملية لمحاولة إنقاذ الساق، على أن ننتظر حتى الصباح للتقييم".

لم تفلح المحاولة. في الصباح، وجد أفراد الأسرة الأطباء يطلبون تجهيز محمود لغرفة العمليات لبتر ساقه. لحظة انهاروا فيها تمامًا. يضيف الأب: “رجوت الطبيب أن يعتبره ابنه، فقال لي لو كنت مكانك لطلبت بتر رجل ابني فورًا، لأن التأخير يعني مضاعفات قد تودي بحياته”.

منذ تلك اللحظة، تبدلت حياة أسرة الدرة بالكامل. دخل محمود في حالة نفسية صعبة، عاجزًا عن الحركة بعد أن كان شعلة نشاط، ينتظر اليوم الذي يُسمح له فيه بالسفر للخارج لتركيب طرف صناعي. في المقابل، أصبح الأب والأم والشقيقات مطالبين بأداء المهام الشاقة التي كان يقوم بها محمود، من جمع الحطب إلى تعبئة المياه وسائر أعباء الحياة اليومية.

ورغم قسوة الواقع، يحاول جمال الدرة مواساة نفسه، معتبرًا أن ما أصاب ابنه أقل وطأة مما يعانيه كثيرون من أبناء شعبه، وأن فقدان ابن وبيت ليس إلا جزءًا مما فقدته آلاف العائلات في غزة. لكنه لا يتردد في تسمية ما جرى باسمه الحقيقي: "ينتقمون من أسرتي لأنني لم أسكت عن حق ابني الشهيد محمد، وواصلت إثارة قضيته في كل المحافل الدولية. ما يفعلونه هو عملية انتقام، لكنني أقول لهم إن القضية ليست قضية محمد الدرة وحده، بل قضية وطن وشعب، وآلاف الأطفال الشهداء من عائلتي ومن شعبي".

قبل خمسة وعشرين عامًا، تحديدًا في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2000م، استشهد الطفل محمد الدرة في اليوم الثاني لانتفاضة الأقصى. يومها وثّقت عدسات الكاميرا مشهد احتماء الابن بأبيه، ونحيب الصبي، وإشارة الأب لجنود الاحتلال بالتوقف، وسط وابل من الرصاص والغبار، قبل أن يُقتل الطفل على ساقي والده، في مشهد هزّ العالم بأسره. بعد ربع قرن، ما يزال الثأر مفتوحًا، ويطال من تبقّى من عائلة الاسم الذي لم يغادر ذاكرة القتل.