غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن نغم مشمش تعلم أن نومتها الأخيرة في بيت عائلتها ستكون الخط الفاصل بين طفولتها وحياةٍ أخرى أثقل من عمرها بكثير. في واحدة من أكبر مآسي التاريخ المعاصر، وتحت عنوان عريض اسمه "الإبادة"، سُحق قطاع غزة بسكانه لعامين متتاليين تحت نيران الموت الإسرائيلية، وكانت نغم واحدة من أولئك الذين استيقظوا على فقدٍ لا يُحتمل.
في ساعات الفجر الأولى، فتحت عينيها على أصوات الانفجارات، قبل أن يغمرها الركام والغبار والدمار، ويختفي كل ما عرفته عن الأمان دفعة واحدة. قُصف منزل العائلة غربي مخيم النصيرات مع بدايات الحرب على القطاع، لتخرج الفتاة من تحت الأنقاض جسدًا مثقلًا بالجراح، وروحًا لم تدرك بعد حجم الفاجعة التي حلّت بها.

تخبرنا أنها خضعت للعلاج في أقسى الظروف الممكنة، لثلاثة أشهر متواصلة، فيما كان شقيقها محمد يصارع الحياة في غيبوبة استمرت ثلاثة أشهر أخرى، بين أروقة مستشفيات تفتقر إلى الحد الأدنى من الإمكانيات، وفي مدينة تُقصف وهي تحاول إنقاذ أبنائها.
وتقول: "في ذلك القصف، فقدت أبي وأمي معًا، وارتقى 24 شخصًا من أفراد عائلتنا. تركوا خلفهم أطفالًا بلا سند، وتركوني أنا لأجد نفسي فجأة في مواجهة مسؤولية لا تشبه عمري ولا أحلامي".

لم يكن الحزن وحده ما داهم نغم، بل الفراغ القاسي الذي خلّفه رحيل والديها. تصف لحظتها الفاصلة قائلة: "توقّفت طفولتي عند لحظة انتشالي من تحت الركام، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها الرعاية والأمومة. أصبحت الأم البديلة لإخوتي الخمسة، دون أن أستوعب كيف حدث كل ذلك بهذه السرعة".
تتابع: "جرّبت كل الطرق الممكنة للعيش والتكيّف مع مأساتي، وحاولت أن أجمع شتات حياة إخوتي كما تجمع بقايا الخيمة التي تأويهم اليوم قرب منزلهم المدمّر غربي النصيرات، بين خوفٍ دائم، ومسؤولية لا تهدأ".
وكان أثقل ما تحمله نغم على قلبها شقيقها الأصغر حسن، الذي وُلد قبل ارتقاء والديهما بخمسة أيام فقط. طفل لم يرَ وجه أمه، ولم يسمع صوت أبيه، لكنه وجد في شقيقته حضنًا دافئًا يناديه كل صباح، كأنها العالم الوحيد الذي لم يخذله بعد.

حين تغادر الخيمة متجهة إلى المدرسة لتتابع ما تبقّى من تعليمها، يجري حسن خلفها بخطواته الصغيرة، يناديها بصوتٍ بريء: "ماما"، متشبثًا بطرف ثوبها، كأنه يخشى أن يخسرها كما خسر كل ما حوله.
بين دفاتر المدرسة ومهمات الطهي ورعاية الإخوة، تعيش نغم حياةً مزدوجة؛ تلميذة تحاول أن تحلم، وأم تحاول أن تحمي ما تبقّى من أسرتها. في خيمةٍ ضيّقة تحيط بها آثار الدمار، تكبر المسؤولية يومًا بعد يوم، بينما تضيق المساحة المتاحة للأحلام. قصتها ليست استثناءً في غزة، لكنها شاهد حيّ على كيف تسرق الحروب الطفولة، وتحول الفتيات إلى أمهات قبل الأوان.
