اقتصاد "الركام".. "لقمة عيش" بين بقايا البيوت المدمرة!
تاريخ النشر : 2025-12-21 08:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حين وقف علي أشرف (18 عامًا) على أنقاض منزله المدمّر في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، لم يكن يبحث عن أثاثٍ يستعيد به ماضيه، ولا عن ملابس تقيه برد الشتاء، بل كان ينقّب عن بقايا أخشاب، وعن أسياخ حديد صالحة للبيع.

جلس فوق الحجارة المتناثرة، يرفعها واحدة تلو الأخرى، بيدين منهكتين اسودّتا من الغبار، يتعثّر بأنقاض بيته، لكنه لا يتوقف، ولا يبالي.

"هذا مصدر رزقنا اليوم. أحاول قدر ما أستطيع أن أجمع أخشابًا، وبطاريات قديمة، وحديدًا تالفًا، أبيعها وأحصل على مبلغ بسيط أشتري به طعامًا للبيت".

علي، الذي كان من المفترض أن يُنهي الثانوية العامة ويبدأ برسم ملامح حياة جامعية، حالت الظروف القهرية لوالده دون ذلك، فاضطر إلى تأجيل تعليمه، والتنقّل بين المباني المهدّمة من حيّ إلى آخر؛ لإعالة أسرته بعد أن فقد والده مصدر دخله بفعل الحرب. يقول لـ"نوى": "هذا مصدر رزقنا اليوم. أحاول قدر ما أستطيع أن أجمع أخشابًا، وبطاريات قديمة، وحديدًا تالفًا، أبيعها وأحصل على مبلغ بسيط أشتري به طعامًا للبيت".

ورغم صعوبة وخطورة البحث بين الأنقاض، يرى علي في أي قطعةٍ يعثر عليها، مهما بدت بسيطة، فرصة نجاة مؤقتة لعائلته، في واقعٍ لا يترك له خيارات أخرى.

وفي خيمةٍ بمدينة حمد بخانيونس، جنوبي قطاع غزة، مكتظة بالأواني المستعملة، تعيش أم محمود (التي اكتفت بذكر كنيتها) على الدخل البسيط الذي يوفّره زوجها من بيع الأواني وبعض قطع الإلكترونيات التي يجمعها من البيوت المدمّرة. تقول لـ"نوى": "هذه الحرب طاحنة، غيّرت كل المفاهيم التي تربّينا عليها. من شدّة الضيق الذي نعيشه، زوجي وابني محمود يجمعان قطعًا من البيوت المدمّرة. لا مصدر دخل لنا سوى هذا".

هذه القصص لا تُعدّ استثناءً، بل تمثّل جزءًا من ظاهرة آخذة في الاتساع، يعرّفها مختصون اقتصاديون بـ"اقتصاد الركام"، وهو اقتصاد قائم على جمع وبيع مخلفات الحرب.  لم ينشأ هذا النمط بقرارٍ أو تخطيط، بل فُرض كواقع قاسٍ على الغزيين، مع توقف عجلة العمل وغياب مصادر الدخل.

قطاع غزة بات مغطّى بما يتراوح بين 61 و68 مليون طن من الركام، نتيجة تدمير أو تضرّر ما يقارب 200 ألف وحدة سكنية.

وتشير تقارير دولية إلى أن قطاع غزة بات مغطّى بما يتراوح بين 61 و68 مليون طن من الركام، نتيجة تدمير أو تضرّر ما يقارب 200 ألف وحدة سكنية. كما تفيد تقديرات أممية بأن إزالة الركام قد تستغرق من خمس إلى سبع سنوات، في حال توفرت المعدات والتمويل وحرية الحركة.

هذه الأرقام لم تخلّف فقط تشريدًا للناس وضياعًا لأحلامهم، بل طمست معالم الحياة في القطاع، وتسببت في شللٍ شبه كامل للأنشطة التجارية والصناعية، في ظل الشوارع المغلقة والبنية التحتية المدمّرة.

الصحفي الاقتصادي أحمد أبو قمر يؤكد أن هذا النوع من الاقتصاد يُعدّ انعكاسًا مباشرًا لفشل المنظومة الاقتصادية بفعل الحصار والحروب المتكررة، مشددًا على أنه لا يمكن اعتبار "اقتصاد الركام" حلًا مستدامًا، بل "آلية بقاء مؤقتة تنطوي على مخاطر جسيمة، سواء على صحة العاملين أو على مستقبل الاقتصاد ككل".

فغياب التنظيم (والحديث له) وانعدام شروط السلامة، وتحويل الدمار إلى مصدر رزق، مؤشرات واضحة على حالة اختناق اقتصادي عميق.

أبو قمر: عدم وجود تدخل حقيقي سيؤدي لترسيخ نمط اقتصادي هش، قائم على الأزمات لا على التنمية.

ويحذّر أبو قمر من أن استمرار هذا الواقع دون تدخل حقيقي سيؤدي إلى ترسيخ نمط اقتصادي هش، قائم على الأزمات لا على التنمية، مشيرًا في الوقت ذاته إلى إمكانية تحويل هذه الظاهرة -إذا توفرت الإرادة- إلى قطاع منظّم ضمن خطط إعادة الإعمار، يوفّر فرص عمل آمنة، ويُدار ضمن أطر قانونية وصحية واضحة.

في غزة، تحوّل الكابوس إلى واقعٍ يومي، حيث لا يملك الناس سوى بيع بقايا بيوتهم ليستمر دوران عجلة الحياة، في ظل انعدام الحلول، واستمرار آثار الحرب المدمّرة، وغياب الدور الفاعل للمسؤولين في مختلف مناحي الحياة.