مرايا العابرات في المنام
تاريخ النشر : 2013-07-23 17:03

رام الله - نوى - أحمد محسن

أحصت جمعية «كفى» 24 امرأة قتلن بين أيار 2010 وتموز 2013، آخرهن رولا يعقوب. وما خفي أعظم. أخيراً، سمع «البرلمان» صوت الجريمة. 24 امرأة دفعن حيواتهن ثمناً لقصور لبنان، «سويسرا الشرق» سابقاً، في التشريع، وفي انتاج ثقافة مضادة للذكوريّة. هنا، بعض قصصهن، بخجلٍ لا يمحوه قانون واحد فقط. هذه قصص إلى الجميع، إلى النساء المعنفات اللواتي لم نعرفهن بعد، وتحلق فوقهن أرواح العابرات في المنام (العنوان مستعار من كتاب للشاعرة جمانة حداد)

 
 

يمكنكم أن تسمعوا طقطقة عظامها. هذا الصرير المؤلم، صرير النهايات. كما في الجرائم المتقنة: لف حبل المشنقة حول عنقها وثبته بإحكام. قالت له «ليش عم تعمل هيك يا علي». محاولة أخيرة للنجاة. حتى تلك اللحظة لم يبق من الماضي إلا طقطقة العظام وحشرجة الصوت ونظرة القاتل الأخيرة إلى ضحيته. تلك الناظرة المتقدة بلا رحمة. ولكنها لم تكن نظرة حاسمة. أحضر غالون بنزين واطارات كما لو أنه في احتفال وقذف النار إلى جسدها. قال للقاضي إنه فعل كل هذا. «شك» فيها فأحرقها. نصب لها كميناً وأخذها إلى منزل قال لها إنه منزلهما الجديد. تحول من ذكوري عادي إلى وحش. لو لم يقف أمام القاضي ويقل هذا بنفسه لظل الأمر عرضةً للخيال. لقد وقف أمام القاضي مطالباً بالطفلة الرضيعة، متحصناً بالثقافة التي لا يطالها قانون، بل تتسلح بالسماء، هناك حيث حلّقت روح فاطمة. والآن، بعد العظام، يمكنكم أن تنصتوا بكآبة موصوفة إلى صوت روحها. حدث هذا في صيف 2010، حزيران تحديداً. وذاكراتنا فيها قصور ذميم.
في العام نفسه، قتل إ.ط. زوجته ل.ق. في 10 أيار 2010. وفي تشرين الثاني من العام نفسه أيضاً قتل م.د. زوجته أ.ب. . ما زلنا في شهرين. خمسة نساء قتلن في شهرين، ثلاث منهن لحقن بفاطمة إلى سماء أخرى. ولا ضجيج يرافق الصعود. العنف هنا ذكوري، وتسويغه ذكوري. السياسيّون ذكوريّون مع «جماهيرهم» فكيف لا تكون «الجماهير» ذكوريةّ مع ضحايا «الجنس الآخر». في شباط 2011، خرج رجل لا نعرف وجهه ووضع رصاصتين في رأس ابنته. ليس خائفاً من قانون. هكذا وضع الرصاصتين كأنه يضع النقود المعدنية في آلة القهوة. لا نعرف وجهها الصغير هي أيضاً. ولا نعرف ما إذا أنهى الأمر بابتسامة كما يحصل الناس على قهوتهم من الآلة. نعرف أن له شبيهاً مسنّاً تحرش بالخادمة فطلبت منها الإبنة الرحيل. نعرف أن الأخير عمره ثمانون عاماً وتقدمه في السن لم ينظف رأسه من العنف الأرعن. نيليان إلى السماء أيضاً لأنها «لم تنصع إلى أوامر الأب». هذا بطريركي لدرجة تبعث على أسئلة مؤلمة. هذا وجد لنفسه آلة حادة ضدّ ابنته. نيليان إلى السماء. في الشهر التالي لحقه مجرم آخر، استل بندقية الصيد واصطاد قلب زوجته بعد «نوبة غضب». لم يعلّق قلبها سوى على حبال غسيل الموروث. وفي نيسان جاء الربيع. وخرج «صياد» آخر، «قبضاي» آخر، وصوب ببندقيّة الصيد الكريهة عينها إلى زوجتها فماتت. انتحر بعدها بثوان. يمكننا أن نتخيّله واقفاً أمام الجثة نادماً. ويمكننا أن نتخيّل أنه فكر بالتراجع عن انتحاره المرتب سلفاً، أيضاً طاردته عيناها المفتوحتان كسمكة. يمكننا أن نتخيّل كل شيء ولكن ليس بالضرورة أن يكون حقيقياً. الحقيقة أنها الجريمة التاسعة التي نعرفها بحق امرأة في عام.
الجريمة العاشرة. رجلُ يذيب «طليقته» بالأسيد وتنجو. ثم في آذار 2012، رجل يخنق زوجته في النبعة. يضغط بيديه بقسوة تامة حتى تغفو روحها أمامه. يا للقوة! ألا يستحق هذا مديحاً مضاعفاً على مرضه العظيم. ألا يستحق أن يدرج في كتاب خاص، يحمل عنواناً دوستويفسكياً هو «الجريمة والجريمة المضاعفة». لا يعاقبون فلا يرتدع الآخرون. ليست هذه دعوة إلى الثأر. إنها دعوة إلى الذين لديهم وظيفة التغيير، فيتكاسلون ويلتهون بالمكاسب البائدة ولا يتغيّر شيء.
في أيار 2011 حلّقت روح أخرى، وجدوها مطمورة بوحول الشرف. عثروا على هيكلها العظمي بعد خمسة أشهر. رتبوا العظام وجعلوها في قبر أوسع، بلا شك، من القبر الذكوري الكبير. مرت أشهر على موتها بلا أسئلة. دفنوها. نامت العظام وحيدة. وذلك حلّ أيضاً بسونيا ياغي، التي قتلها شقيقها في «باب الرمل» بعدما «شاهدها برفقة شاب غريب». ألا يبدو هذا مألوفاً؟ غادرت سونيا العالم من «باب» لا نسمع عنه ولا نراه، نسمّيه «القتل»، وطمرت بتراب نعرفه معرفة خاطئة، ويقال له في الشرق: «الشرف». وبسبب «الشرف»، الشرف الحقيقي هذه المرة، أفرغت منى صيدليتها، من الأدوية، وتناولتها دفعةً واحدة، فأنهت هكذا مسيرة طويلة من العنف الزوجي، مرةً واحدة. انتحرت انتقاماً لروحها، لا لشرفها. أما أ.م. فقتل زوجته في جديدة المتن، أول العام الحالي، ثم انتحر، ظناً منه أنه يعيد الاعتبار إلى «شرفه». ولكنه قاتل، والعزاء الوحيد للقتلة هو أن يكون عقابهم عبرةً لآخرين. بيد أن هذا لا يحدث. في شباط 2013، اهتز الجنوب على «شرف» آخر، بعدما ماتت بغداد، لأنها حملت من شقيقها. وسبقتها بثينة بإحراق نفسها. مسلسل طويل يمزّق القلب، ليس فيه إلا جثث متفحمة وهياكل عظمية ورصاص مجاني يطال النساء. حتى الأمومة لا تشفع للمرأة، في أيار، الفائت، قتل م.ع. والدته بمعول الزراعة في وادي بنحيله. لم يقم حساباً للرحم التيي أقام فيها، وكذلك فعل م.م. في السمقانية ــ الشوف، بعدما حول والدته إلى جثة. وقبل أشهر، عثر على امرأة مصابة في الرأس بضربات بآلة حادة، في عين الفرديس، في قناة لجر المياه. هل هناك من حاجة للوصف؟ وأطلق ع.ح. النار على قريبته في مشاريع القاع، فماتت. وغالباً يشار إلى القتلة والضحايا بالأحرف الأولى من الأسماء. وليس للشبه أي فتنة هنا لكنه يقع. يفقدن أسماءهن بعد الموت، بعد أن يخسرن ملامحهن ووجوههن الذائبة جراء تعذيب ثقافوي متوارث. يشار إلى موتهن بالأحرف الأولى، لأكثر من ذريعة. «ذمة التحقيقات»، «شرف العائلة»، وكل هذا الهراء. تنتهي قصصهن في اللحظة التي يمرّ فيها الخبر. وطبعاً يقال بالخطأ دائماً، فلان «أقدم» على قتل فلانة. الموتى لهم قصص. وليس في فعل القتل إقدام ولا شجاعة. إنما هو فخ لا يؤدي إلا إلى «ترسيخ» للرجولة الوهميّة، يقع فيه «المحرر» أحياناً. كلنا ضحايا. ويجب أن يضع القانون حداً لكل هذا الموت، فيكون مرآة تعكس الحب الذي في الوجوه الراحلة، لا مرآة أخرى من مرايا عنفنا الكثيرة.