أجسادٌ فضَحَت "مجاعة" الحرب.. هشاشة عظام وضعف مناعة!
تاريخ النشر : 2025-12-14 13:02

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد عامين من الحرب المدمّرة، وقبلها أعوام طويلة من الحصار الممتد منذ عام 2007م، لم تعد غزة تُقاس فقط بما تهدّم من بيوتها، بل بما تهدّم بصمت داخل أجساد سكانها.

فالمجاعة التي تضربهم اليوم لم تولد فجأة، بل تراكمت طبقة فوق أخرى من نقص الكالسيوم والمعادن والفيتامينات، حتى بات الإرهاق سمة يومية، والعظام أكثر هشاشة، والأمراض المزمنة أسرع انتشارًا وأبطأ تعافيًا. هنا، أصبحت صحة الإنسان مرآة فاضحة لحرمانٍ طويل، وإن ظل صامتًا.

رغم دخول بعض السلع التموينية مؤخرًا. يؤكد الأطباء أن تعويض هذا النقص يحتاج إلى وقت طويل، وكأن الجسد يطالب بحقه المؤجل دفعة واحدة.

في هذا المشهد القاسي، التقت "نوى" بالحاجة انتصار، الستينية التي عاشت عمرها في غزة، قبل أن تشهد خلال الحرب انهيارًا صحيًا مفاجئًا. مع سياسة التجويع، بدأ الخدر يزحف إلى يديها وقدميها، ثم فقدت قدرتها على حمل أبسط الأشياء بسبب ارتجاف أطرافها.

أظهرت الفحوصات نقصًا حادًا في الكالسيوم، لا يزال يرافقها حتى اليوم، رغم دخول بعض السلع التموينية مؤخرًا. يؤكد الأطباء أن تعويض هذا النقص يحتاج إلى وقت طويل، وكأن الجسد يطالب بحقه المؤجل دفعة واحدة.

أما عبد العزيز عاشور، الشاب الذي لم يكن يعاني من أمراض سابقة، فقد تعرّض لنوبة تشنج مفاجئة نتيجة انخفاض حاد في الكالسيوم، بعد سنوات من الحصار وتفاقم الحرب الأخيرة.

ورغم توفر بعض المواد الغذائية حاليًا، لا يزال يحتاج إلى نظام غذائي متكامل، ومكملات غذائية، وجرعات منتظمة من فيتامين "د" لفترة لا تقل عن ستة أشهر، لتعويض ما استنزفه جسده بصمت طويل.

مع دخول السلع التموينية، بدأت محاولات التعويض، غير أن الطريق إلى التعافي ما يزال طويلًا، كرحلة شاقة لا نهاية واضحة لها.

وبينما كانت المهندسة روان تعاني أصلًا من لين العظام، جاءت الحرب لتضاعف أوجاعها. لم تعد قادرة على السير لمسافات طويلة، وأصبح الإرهاق يلازمها حتى في أبسط تفاصيل يومها. نصحها الأطباء بالكالسيوم وفيتامين "د"، لكن لعامين كاملين لم يتوفر غذاء كافٍ ولا مكملات.

ومع دخول السلع التموينية، بدأت محاولات التعويض، غير أن الطريق إلى التعافي ما يزال طويلًا، كرحلة شاقة لا نهاية واضحة لها.

"كنت بحاجة لفيتامين (د) والكالسيوم، لكن لم نقدر على شرائها فزاد الإرهاق، وصرت أتعب من أبسط حركة"، وكأن الجسد يُترك ليواجه مصيره وحيدًا.

وتروي الصحفية ريم جعرور تجربتها مع مشكلة الغضروف التي تفاقمت بسبب نقص الغذاء خلال الحرب. تقول: "كنت أحاول تخفيف الضغط على الغضروف، لكننا لم نكن نجد ما نأكله أصلًا".

اختفاء الحليب والبيض والبروتينات ضاعف آلامها، ولم تستطع شراء المكملات التي وصفها الطبيب؛ بسبب أسعارها الخيالية وتوفرها عبر السوق السوداء. تضيف: "كنت بحاجة لفيتامين (د) والكالسيوم، لكن لم نقدر على شرائها فزاد الإرهاق، وصرت أتعب من أبسط حركة"، وكأن الجسد يُترك ليواجه مصيره وحيدًا.

أكرم محمود (37 عامًا) مثال آخر على ما خلّفته الحرب في الأجساد. فقد خسر عشرين كيلوغرامًا من وزنه خلال أشهر قليلة، وبات عاجزًا عن حمل الأشياء الثقيلة. يقول بنبرة متعبة: "أصبحت أكبر من عمري بعشر سنوات.. ابيضّ شعري وتقوّست كتفاي، وألهث عند أي مجهود". الحرب، كما يصفها، لم تسرق وزنه فقط، بل سلبت شبابه على مهل.

هذه الشهادات تؤكد أن آثار المجاعة في غزة لا تتوقف عند الجوع الآني، بل تتحول إلى أزمات صحية طويلة الأمد، تهدد الأطفال والشباب وكبار السن على حد سواء، وتترك بصمتها العميقة على قدرة الجسد على التعافي.

يصف الطبيب العام عبد الله شامية المشهد الصحي في غزة بأنه "تهالك بطيء للجسد الجماعي"، ففقر الدم الحاد، وهشاشة العظام، وضعف المناعة، وفقدان الكتلة العضلية باتت أمراضًا شائعة حتى بين الشباب والأطفال. بعض المرضى، كما يقول، لم يعودوا قادرين على حمل الماء أو السير لمسافات قصيرة، فيما يدفع الأطفال الثمن الأكبر بتراجع القدرات العقلية والتعليمية، وظهور التقوس والهزال وقصر القامة، محذرًا من أن جزءًا من هذه الآثار قد يكون دائمًا.

يربط د.شامية بين النقص الغذائي والاضطرابات النفسية المنتشرة، كالقلق والأرق والتوتر العصبي، مؤكدًا أن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل مسار طويل يعيد تشكيل المجتمع بأكمله.

ويربط د.شامية بين النقص الغذائي والاضطرابات النفسية المنتشرة، كالقلق والأرق والتوتر العصبي، مؤكدًا أن ما يجري ليس أزمة عابرة، بل مسار طويل يعيد تشكيل المجتمع بأكمله.

ومع ذلك، يشير إلى إمكانية التخفيف عبر خطوات بسيطة داخل الأسرة، كتنظيم الوجبات، وتعزيزها بزيت الزيتون والبقوليات، وتعريض الأطفال للشمس، ومراقبة أعراض النقص، في محاولة بطيئة لاستعادة المناعة.

"تراجعت مستويات البروتين والحديد والزنك والكالسيوم وفيتامينات D وA وB12  إلى حدود خطيرة، ما انعكس تعبًا عامًا، وهشاشة عظام، واضطرابات عصبية ونفسية".

من جانبه، يرى أخصائي التغذية هشام حسونة، أن ما تعانيه غزة اليوم يتجاوز آثار الحرب المباشرة، ليكشف انهيارًا عميقًا في البنية الغذائية للجسم. "فقد تراجعت مستويات البروتين والحديد والزنك والكالسيوم وفيتامينات D وA وB12  إلى حدود خطيرة، ما انعكس تعبًا عامًا، وهشاشة عظام، واضطرابات عصبية ونفسية.

ويحذر من أن هذا النقص يهدد التعليم والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي، إذ تراجعت القدرات الذهنية والبدنية، وانخفضت إنتاجية العمال، بينما يدفع الأطفال الثمن الأكبر في نموهم ومستقبلهم.

"ما وصل من مكملات غذائية بعد الحرب لا يتجاوز 10% من المستويات السابقة، وأن ارتفاع الأسعار يجعل الحصول عليها عبئًا ثقيلًا على الأسر المنهكة".

غير أن توصيات المختصين تصطدم بواقع دوائي هشّ. يؤكد الصيدلاني د.محمد العفيفي أن ما وصل من مكملات غذائية بعد الحرب لا يتجاوز 10% من المستويات السابقة، وأن ارتفاع الأسعار يجعل الحصول عليها عبئًا ثقيلًا على الأسر المنهكة.

ورغم تراجع السوق السوداء، لا يزال القطاع بحاجة ماسة لكميات كبيرة من المكملات، مع تدخل دولي جاد لتغطية احتياجات الفئات الأضعف.

بعد سنوات من الحصار والحرب، لم تُنهك غزة بالدمار وحده، بل بأجساد أسقطها التجويع ونقص المغذيات. ويبقى الأمل معلّقًا على تضافر جهود الأسر والمختصين والدعم الدولي، لإعادة بناء صحة السكان، قبل أن يتحول هذا التهالك الصامت إلى خسارة لا يمكن تعويضها.