أوتاد خيمة.. وحفرة تُسمى "مرحاضًا"!
تاريخ النشر : 2025-11-11 12:30

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على ركام منزله المدمر في حيّ الصفطاوي شمالي مدينة غزة، ثبّت نهاد عوض (33 عامًا) أوتاد خيمته بخيوط أنهكتها الرياح. لم يكن يتوقع أن رحلة عودته من النزوح في خان يونس جنوبًا، التي استمرت أكثر من شهر، ستقوده إلى معضلة أشد قسوة من فقدان منزله: عجزه عن إنشاء مرحاض بسيط يضمن الحد الأدنى من الكرامة لعائلته المكوّنة من خمسة أفراد.

يجلس نهاد على قطعة حجر اتخذ منها بديلًا لكرسي مكسور، يحدّق في خيمته التي بالكاد تردُّ عنه البرد، ويقول بصوت يغلب عليه الإعياء: "بحثت أيامًا عن قطعة خشب أو أدوات سباكة، لكن ما توفر منها أسعارُه خيالية. كيف يمكن لعائلة فقدت كل شيء أن تؤمّن حتى حمّامًا؟".

"في الأيام الأولى كنا نقضي حاجتنا عند جيراننا في الخيام المجاورة، لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. الأطفال يحتاجون الحمّام ليلًا، والنساء يشعرن بالحرج".

يشير بيده إلى حفرة صغيرة غطاها بنايلون رقيق: "اضطررت لاعتماد وسائل بدائية لا تصلح للاستخدام الآدمي، لكن ماذا نفعل؟ الشوارع مدمرة، والمصارف اختفت، والمياه العادمة تتسرب من كل مكان. نحن نصارع الحياة بأدوات لا تصلح حتى للبقاء".

وفي حي الشيخ رضوان غربي مدينة غزة، يعيش وجيه فرينة (52 عامًا) المأساة ذاتها بعد عودته من النزوح في النصيرات. منزله لم يعد أكثر من كومة حجارة، فبنى خيمة فوق الركام ليحتمي فيها مع أطفاله الستة، لكن الحاجة الأساسية -المرحاض- اصطدمت بواقع أعقد مما توقع.

يقول وجيه: "في الأيام الأولى كنا نقضي حاجتنا عند جيراننا في الخيام المجاورة، لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. الأطفال يحتاجون الحمّام ليلًا، والنساء يشعرن بالحرج". يروي أنه حاول بناء حمّام خشبي، لكنه وجد المواد نادرة وأسعارها عالية جدًا، فيما المياه بالكاد تتوفر.

يقف منهكًا وهو يشير إلى خزان بلاستيكي قديم حصل عليه بالصدفة: "لا توجد مصارف. مياه الحمّام تتجمع وتختلط بمياه الأمطار. نخاف من الأمراض أكثر مما نخاف من الجوع".

ويختم بنداء موجع: "أعيدوا فتح الشوارع والمصارف. أعيدوا لنا الحياة. استمرار هذا الوضع يعني موجة أمراض لن ينجو منها أحد".

وعلى بُعد أمتار، ينصب محمد مصلح (36 عامًا) خيمته بعد أن فقد منزله. يعيش مع زوجته وأطفاله السبعة وسط معضلة أكثر حساسية: عدم القدرة على استخدام حمّام مشترك في العراء.

يقول: "كل المواد الأساسية اللازمة لإنشاء مرحاض شبه غائبة تمامًا، وهذا يزيد المأساة، خصوصًا أن لدي أطفالًا وبنات يحتاجون قضاء حاجتهم خصوصًا في الليل".

"لم يكن أمامي سوى نصب عدة أخشاب وتغطيتها بشوادر، ووضع وعاء بداخلها لقضاء حاجتنا. نواجه صعوبة في الاستحمام أيضًا. لا ماء كافٍ، ولا مكان مناسب".

ويستطرد بصوت مُتعب: "لم يكن أمامي سوى نصب عدة أخشاب وتغطيتها بشوادر، ووضع وعاء بداخلها لقضاء حاجتنا. نواجه صعوبة في الاستحمام أيضًا. لا ماء كافٍ، ولا مكان مناسب. هذه ليست حياة.. هذا صراع للبقاء".

يخشى محمد أن ينهار الحمّام البدائي مع دخول الشتاء: "الحمّام غير ثابت، ومع الأمطار لا نشعر بالخصوصية ولا بالأمان. نتمنى حلولًا مناسبة وسريعة لهذه المعضلة الكبيرة".

في المقابل، يوضح الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا أن الاحتلال خلّف دمارًا واسعًا في المدينة منذ السابع من أكتوبر 2023، وألحق أضرارًا مباشرة وغير مباشرة بما يقارب 85% من البنية التحتية.

ويضيف: "الاحتلال دمّر 175 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، واستهدف ثماني مضخات، مما أدى لخلل كبير في تصريف المياه العادمة وتسربها إلى الشوارع، لا سيما في المناطق المنخفضة. وتزداد الأزمة حدّة مع دخول فصل الشتاء الذي يضغط على الشبكات فينتج عنه طفح واسع للمياه العادمة، مما يفاقم المعاناة خصوصًا لدى النازحين داخل الخيام ومراكز الإيواء".

ويشير مهنا إلى أن الدمار الواسع في الشوارع دمّر خطوط الصرف الصحي المنزلية، فجعل المياه العادمة تتدفق إلى الطرقات، بينما تفتقر بعض مراكز الإيواء إلى المراحيض، ما يدفع النازحين لإنشائها بوسائل بدائية.

ويصف أزمة الصرف الصحي بأنها "معقدة جدًا" في ظل نقص مواد الصيانة ومنع الاحتلال إدخال المعدات، ما يجعل إصلاح الأعطال يستغرق وقتًا طويلًا.

في ظل نقص مواد البناء وغياب معدات الصيانة واستمرار إغلاق المعابر، تصبح محاولة إنشاء مرحاض -وهو حق إنساني أساسي- مهمة شبه مستحيلة لآلاف العائلات.

وفي ظل نقص مواد البناء وغياب معدات الصيانة واستمرار إغلاق المعابر، تصبح محاولة إنشاء مرحاض -وهو حق إنساني أساسي- مهمة شبه مستحيلة لآلاف العائلات التي تعيش فوق الركام أو في مراكز الإيواء.

أزمة المراحيض ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جذرًا لأزمات صحية ونفسية وكرامة إنسانية تُنتهك يوميًا. وما قصص نهاد ووجيه ومصلح سوى نماذج صغيرة لوجع كبير يمتد على طول خيام النزوح في قطاع غزة.