شريحة بطيخ بـ"شيكل".. حصّةٌ لـ"النجاة" في زمن المجاعة!
تاريخ النشر : 2025-07-08 10:54

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد غريبًا في غزة أن تشتهي ولا تشتري، بل بات من المؤلم أن تقف عاجزًا أمام أبسط احتياجات البقاء، بينما يجتمع عليك وأطفالك الجوع والغلاء الفاحش منذ أكثر من 600 يوم من الإبادة، الأمر الذي يدفعك إلى تسوّق الخضار "بالحبة" وشراء الفاكهة "بالقطعة" – إن توفرت – لتلبية الحاجة تحت مظلة الفقر والموت.

"وجدت الأطفال ينظرون بحسرة فقسمتها إلى أحجام صغيرة أرضيتُ بها الجميع، وسرعان ما تحوّلت هذه "الشرائح" إلى مشروع".

الحاج مجدي حاتم كان واحدًا من رواد "البيع بالقطعة"، وأوائل من لمعت في رؤوسهم فكرة بيع "شرائح البطيخ"، بعد تجمهر الأطفال حوله، بينما كان يقطع بطيخةً لطفله الذي ألحّ عليه لشرائها أمام خيمته في مخيم النزوح جنوبي القطاع.

"وجدتهم ينظرون بحسرة فقسمتها إلى أحجام صغيرة أرضيتُ بها الجميع، وسرعان ما تحوّلت هذه "الشرائح" إلى مشروع" يقول لـ"نوى".

تبنّى حاتم الفكرة وبدأ ببيع البطيخ "حتى يقضي نفس الجميع بشيكل واحد فقط" على حد تعبيره، ويضيف: "صار الصغير والفقير والشاب والعجوز يقضي نفسه، والكل يأكل".

حمل حاتم –الذي نزح أكثر من سبع مرات من بيت لاهيا– الفكرة معه بعد عودته إلى شمالي القطاع، موضحًا أن غياب الحلويات ومأكولات الأطفال هو السبب الأساسي لانتشارها، مضيفًا: "ما في شيء للأطفال سوى الشراب غير النافع، والبطيخة أبرك وتظل شيئًا طبيعيًا ومرطبًا".

وبينما لم يعد "الشيكل" ذا قيمة في زمن القحط، وجد حاتم إقبالًا كبيرًا على مشروعه، مضيفًا: "صارت الناس تعد نفسها تأكل بشيكل، بينما لم يعد الشيكل يجلب شيئًا مؤخرًا".

يشير الرجل إلى عدم تمكن عدد من الآباء من شراء شرائح البطيخ "حتى بتكلفة الشيكل!"، الأمر الذي دفعه لإهدائها لبعض الأطفال بلا مقابل بدافع التكافل، رغم رمزية دخله. ملفتًا إلى أن البطيخ في الصيف كان يعني له "كل شيء" قبل العدوان، وبات مصدرًا للدخل والطعام والترفيه في زمن الحرب والجوع.

يعيش حاتم اليوم في أحد مراكز النزوح غربي مدينة غزة، صفر اليدين، سوى من مشروعه الصغير، بعدما كان يمتلك مزرعة دواجن ومنحلة كبيرة وأرضًا زراعية يأكل من خيراتها كل ما يشتهي، ويطعم من حوله، ويضمن آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية من البطيخ والتوت الأحمر، التي خسرها مع المال المستثمر خلال العدوان.

وبينما كان مصعب وهدان يتجول في السوق برفقة والده المصاب، لفتته فكرة "البطيخ المقطّع"، وطلب من والده العمل في هذا المجال لحاجتهم الماسة إلى المال. بدأ على الفور بجلب بطيخة، وأوكل مهمة تقطيعها لوالدته بعدما حصل على رأس المال من والده، فيما تكفّل هو ببيعها.

لفتت والدة وهدان (16 عامًا)، إلى توفر فكرة "شرائح البطيخ" في سوق معسكر جباليا، حيث كانت تسكن قبل العدوان، كفكرة اقتصادية لتصريف البطيخ، ثم تبسمت بتنهد وأضافت باستنكار: "لكن القطعة كانت تروي! حجمها كان كبير".

"حتى الرجال كانوا يقضون نفسهم؛ لأن البطيخ غالٍ جدًا، وأقل بطيخة تحتاج إلى 80 شيكل، ولا يشترط أن تكون جيدة".

وعلى الرغم من بساطة ما يحققه وهدان من دخل، إلا أنه يفرح بإنجازه كشاب يرغب في مساعدة والده، المتقاعد عن عمله إثر بتر قدميه بعد إصابته خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014م، متابعًا: "المربح حتى لو وصل 100 شيكل، لا يجلب سوى كيلوات من الطحين".

حظي مشروع وهدان بإقبالٍ كبير، وفي ذلك تقول والدته: "حتى الرجال كانوا يقضون نفسهم؛ لأن البطيخ غالٍ جدًا، وأقل بطيخة تحتاج إلى 80 شيكل، ولا يشترط أن تكون جيدة".

"الله يعين الناس على وضعها، الوضع تحت 700 صفر، ومكونات الحياة كلها مفقودة".

وتلفت إلى اقتصادية الفكرة، حيث "يحتاج الطفل بإلحاح إلى الشيكل اليومي كما يشتهي البطيخ، فكان الحل أن يأخذ الطفل الشيكل ويشتريه"، لكنها نوهت إلى توقف ابنها مؤخرًا عن العمل نتيجة الغلاء الفاحش وبدء نفاد كميات البطيخ المتوفرة.

وعلى أحد مفترقات شارع النفق، يلفتك صوت أنور غانم المرنّم ونداؤه المنتظم "بشيكل يا بطيخ"، تمامًا كما تلفتك طريقته الهندسية في ترتيب قطع البطيخ على اختلاف أحجامها، عدا عن دمجه لبعض الشمام معها أحيانًا. فقد حمل طريقة "اليد الخضراء" من مسقط رأسه بيت لاهيا شمال القطاع إلى مكان نزوحه في شرق المدينة.

يهتم غانم بالنظافة و"الشكل الحلو" على حد وصفه، بعدما اختار البطيخ لكونه لا يخضع لقواعد الغش، مضيفًا: "إن شريحة البطيخ بشيكل يتقبلها المرء في ظل هذا الفقد، وأنا أقوم بتقطيع أحجام أكبر بتكلفة أكثر من شيكل لمن يريد".

وأردف: "الشيكل اليوم مش فلوس"، منوهًا إلى أنه سيستمر في مشروعه لعِظم الدعوات التي يحصدها، رغم بساطة مردوده المادي، وذلك عدا عن تفضيله للعمل "بالقليل" على الجلوس في الخيمة وافتعال المشاكل نتيجة ضيق الحال العام.

كان غانم يضمن الأراضي ويزرع الفراولة والبطيخ والشمام والذرة، ثم بات لا يملك شيئًا، سوى أن ينطلق في مشروعٍ رأس ماله "بطيخة بتكلفة 100 شيكل"، وفي ذلك يقول لـ"نوى": "الله يعين الناس على وضعها، الوضع تحت 700 صفر، ومكونات الحياة كلها مفقودة".

كان دخل غانم قبل الحرب يتراوح بين أربعة إلى خمسة آلاف شيكل شهريًا من الزراعة، بينما يفرح الآن بدخلٍ بقيمة 20 شيكلًا يجمعها خلال اليوم الواحد، ثم يدّخرها على مدار أيام لشراء كيلوات من الدقيق لا تسد الجوع، "الاحتلال دمّر كل ممتلكاتي، وتسبب في خسارتي لما استثمره في زراعة التوت الأحمر.. أمسيت الآن أُعيل نفسي من قطع البطيخ".