لا "ماهية" لأوجاع غزة.. أبسط "التحاليل" صارت أمنية!
تاريخ النشر : 2025-06-18 12:11

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن رنا علي (25 عامًا) تتوقّع أن يتحول ألم المعدة والقدمين، والصداع المستمر الذي أصابها، إلى رحلةٍ طويلة مع المرض في ظل عجزٍ طبيٍ كبير في مختبرات ومشافي القطاع المُنهكة.
حين قصَدت الطبيب، طلب منها ستة تحاليل لتشخيص حالتها، لكنها لم تجد إمكانية سوى لإجراء اثنين منها، بعد بحثٍ مضنٍ في مختبرات المستشفيات والمختبرات الخاصة على حد سواء.

تقول لـ"نوى": "فجأة تعبت، شعرتُ بآلام حادة، وصداع لا يهدأ. وصف لي الطبيب عدة تحاليل، لكنني لم أجد منها إلا تحليلين فقط".

تعتمد رنا اليوم على المسكنات وبعض الفيتامينات "لحين ميسرة"، كما تصف، لداءٍ لم تعرف ماهيته حتى اللحظة، بسبب عدم خضوعها لباقي التحاليل المطلوبة.

ولا يزال أيمن عوض، وهو في عقده الثالث، يعاني من تقرحات جلدية مزعجة تظهر على أصابعه.
رغم زياراته المتكررة للأطباء، والنتائج المؤقتة التي يحصل عليها من المراهم والعلاجات الموضعية، إلا أن التقرحات لا تلبث أن تعود. طلب منه طبيب جلدية إجراء "مزرعة" لاكتشاف نوع البكتيريا المسببة لها، لكن المختبرات العامة والخاصة على حد سواء لم تكن قادرة على تلبية هذا الطلب.

"لم أجد إمكانية لإجراء تحليل المزرعة في أي مختبر، وكل ما أستخدمه الآن من علاجات هي مجرد محاولات" يخبرنا أيمن، الذي يواجه المرض دون تشخيص واضح، في ظل غياب فحوصات ضرورية.

تلك الحالات الفردية، تعكس انهيارًا أوسع في النظام التشخيصي بغزة. حيث تؤكد الدكتورة سحر غانم، مديرة دائرة المختبرات الطبية وبنوك الدم في وزارة الصحة، أن القطاع يعاني من نقص حاد في مواد الفحص والمستهلكات المخبرية بنسبة تصل إلى 59%.

وتشير إلى أن نصف مختبرات المستشفيات، و60% من مختبرات الرعاية الأولية، خرجت عن الخدمة كليًا بسبب تدميرها، بينما خرجت نحو 70% من الأجهزة عن الخدمة أيضًا، سواء بفعل القصف المباشر أو لافتقارها إلى الصيانة وقطع الغيار، التي لم تعد متوفرة لا في وزارة الصحة ولا في السوق المحلي.

وتقول لـ"نوى": "المختبرات العاملة حاليًا غير كافية وغير مؤهلة لتقديم خدمات مناسبة"، مؤكدةً أن المخزون المتبقي من المواد المخبرية يوشك على النفاد خلال أسابيع قليلة، ما ينذر بتوقفٍ وشيكٍ في تقديم الفحوصات حتى في المرافق القليلة التي لا تزال قيد التشغيل.

ورغم مرور أكثر من ثمانية أشهر على بدء العدوان، لم يدخل القطاع الصحي أي أجهزة مخبرية بديلة أو بدائل عن تلك التي تعرّضت للتدمير أو العطب، ما أدى إلى تفاقم الأزمة.

ولم يعد من الممكن توفير الفحوصات المناعية، وتحاليل الأمراض المعدية، وبعض الهرمونات، إلى جانب التحاليل المتقدمة لعوامل التجلط، وفحوصات مرضى الأورام، وأمراض الدم، والكلى.

وتحذر غانم من أن هذا التدمير للمختبرات يؤثر سلبًا على مراقبة الأمراض المعدية والوبائية، ويزيد العبء على المستشفيات التي باتت مُجبَرة على التعامل مع حالات مرضية دون وجود دعم مخبري.

في ظل هذه الأزمة، وجّهت نداءً عاجلًا إلى المؤسسات والمنظمات الصحية الدولية، دعت فيه إلى التدخل الفوري؛ لإدخال مواد الفحص والمستهلكات المخبرية، وتأمين الأجهزة الضرورية، بما يضمن استمرارية الخدمات بكفاءة.

أما الدكتور محمد عبد المجيد، مدير أحد المختبرات الخاصة في غزة، فيلفت إلى أن تأخر التحاليل أو انعدامها ينعكس مباشرة على صحة المرضى، مؤكدًا أن حالات مثل السرطان أو أمراض الكلى قد تسوء بسبب تأخير التشخيص، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة، أو حتى الوفاة. "قد يتطلب الوضع تدخّلًا عاجلًا لا يمكن تنفيذه دون نتائج التحاليل"، يقول.

ويضيف: "جميع المختبرات، منذ بداية الحرب، تعاني نقصًا حادًا في المواد والأجهزة، وأغلب المختبرات تفتقر إلى محاليل الفحوصات الأساسية، فضلًا عن أجهزة أساسية مثل جهاز الطيف الضوئي، وأجهزة قياس الدم، والمزارع، وفحوصات قياس تركيز الأدوية في الجسم".

وأمام هذه الصورة القاتمة، لا يزال المرضى ينتظرون تشخيصًا مفقودًا، بينما يرون أرواحهم وهي تتسابق مع الوقت.. بلا نتيجة.