"مكملات" لأطفال غزة.. "غذاءٌ" لا طعم ولا رائحة!
تاريخ النشر : 2025-06-03 17:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل خيمة رمادية اللون نُصبت فوق أرض رملية في منطقة المشتل غربي مدينة غزة، تجلس عبير قدح (39 عامًا)، وهي نازحة من بلدة بيت حانون، إلى جوار موقد صغير بالكاد يُشعل ببقايا كرتون محترق.

تُخرج من كيس مساعدات ورقي، مغلفًا بلاستيكيًا وزعته عليها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ويحتوي على بعض أكياس صغيرة من المكملات الغذائية المخصصة للأطفال، وتتأملها بغضب مكتوم.

وتتساءل قديح بسخط خلال حديثها لـ"نوى"، بينما تنظر إلى أحد أطفالها وكان ممددًا على فرشة رقيقة بلا حيلة، وقد غارت وجنتاه من الجوع: "هل هذه وجبة؟ هل هذه حياة؟ يعطوننا فيتامينات، ويقولون إنها لدعم صحة الأطفال! طيب، أين الأكل؟ ابني يحتاج حليب ولحمة، مش مسحوق كيميائي!".

تضيف قدح بنبرة حادة: "ابني مش آلة نحط فيها مكمل وننتظر يشتغل. هو جسد صغير بيموت جوع، ما بيقدر يهضم كبسولة بدون ما يكون فيه أكل في بطنه أصلًا!".

تستعيد الأم بغصّة آخر مرة أكل فيها أطفالها الفاكهة: "من 4 شهور، جارتنا جابت لهم موزة، قسمتها لـ3. هل هذا اسمه غذاء؟ صارت الفواكه في غزة مثل الذهب، والحليب للأطفال حلم بعيد".

وتكمل بمرارة: "(إسرائيل) تمنع دخول الحليب، والفواكه، والخضرة، حتى البيض مش موجود، وبعدين بيقولوا: سمحنا بدخول مكملات غذائية لحماية صحة الأطفال! هذا مش حرص، هذا استهزاء".

ترفع علبة مسحوق فيتامين وتلوّح بها، ثم تقول: "ماذا أعمل بها؟ ابني لم يعد يقوى على المشي. يقولون لي: أعطيه فيتامين D!".

تتنفس بصعوبة وتخفض صوتها: "والله لو ما شفت بعيني، ما صدّقت. طفلتي الكبيرة صار عندها تساقط شعر، وولد الجيران بيمشي وبيوقع من التعب، والدكاترة بيقولوا سوء تغذية. مش بس فقر.. إحنا بمرحلة تجويع ممنهج".

في هذه الخيمة، لا وجبات ساخنة، ولا فواكه، ولا خضار، ولا حليب. فقط مكملات، توزعها مؤسسات، على أمل كاذب بأن الجسد البشري يمكن أن يُبنى على أقراص.

ومنذ مطلع مارس 2025م، شددت دولة الاحتلال الإسرائيلي حصارها الخانق على قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، مانعة دخول المواد الغذائية والبضائع والأدوية، فيما سمحت قبل أسابيع قليلة بعد ضغوط دولية بإدخال كميات محدودة من المكملات الغذائية التي تحتوي على الفيتامينات، وبعض مكملات الزنك، فيما وصفته بأنه "جهود لحماية صحة الأطفال الفلسطينيين".

لكن هذه السياسة تكشف مفارقة صارخة، تمنع الفواكه الطازجة، بينما يُسمح بفيتامين C، يُمنع الحليب الطازج، بينما يُسمح بالزنك والكالسيوم، يُمنع البيض واللحوم، بينما يُسمح بمسحوق الحديد.

ولادة وسط النار والجوع

في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، تجلس أم رزان أو هكذا رغبت أن نناديها، وهي تحتضن طفلتها الرضيعة التي لم تكمل شهرين، تلفّها بقطعة قماش قديمة وتحاول حمايتها من أشعة الشمس التي تزداد لهيبًا مع دخول فصل الصيف.

تقول لـ"نوى": "هذه ابنتي وُلدت وسط النار والجوع، ولم تعرف طعم الحليب الحقيقي منذ لحظة ولادتها"، وتضيف بينما تهدهد الطفلة على صدرها، "كل ما لديّ بعض المكملات الغذائية التي أحيانًا أضعها في فمها فتمتصها، لكنها دائمًا تبكي من الجوع، وأنا أبكي معها".

ترفع أم رزان عبوة حليب تمتلكها وتُرينا التاريخ المنتهي: "تخيّلي، طفلة عمرها 65 يومًا، ترضع حليبًا فاسدًا لأن (إسرائيل) تمنع إدخال الحليب للأطفال. أي وحشية هذه؟ أي منطق يبيح تجويع الرضع؟".

لديها ثلاثة أطفال آخرين، تتحدث عنهم بألم، وتقول إنهم "نسوا طعم الفاكهة واللحم (..) ابني الكبير يسألني كل يوم: ماما، كيف يبدو طعم التفاح؟ يحاول أن يتذكّر. ابنتي الوسطى تقول لي: أشتهي قطعة لحم، أو حتى رائحتها"، معقبةً بقهر: "يا الله، وصلنا لمرحلة الطفل بيتمنى ريحة الأكل!".

تجلس ابنتها إلى جانبها، نحيلة، بعيون ذابلة، تمسك بكسرة خبز جافة، وتتابع: "نأكل الخبز ومعجون الطماطم إذا توفر، لا يوجد خضار، ولا بيض، حتى الخبز مش موجود. ورغم ذلك يتحدثون عن دخول شحنة مكملات غذائية. ماذا نفعل بالمكملات؟".

تتوقف للحظة، ثم ترفع نبرة صوتها: "أنا أم، قلبي ينفطر كل يوم، وأنا أرى أولادي ينهارون جوعًا أمام عيني. الطفل ليس رقمًا، ليس علبة دواء. الطفل يريد أن يأكل، يريد حنانًا، يريد أن يعيش"، متسائلة بحرقة: "كيف سنربي جيلًا ونحن نراه يموت بالبطيء؟".

تُحمّل أم رزان المجتمع الدولي المسؤولية الكاملة عمّا يحدث، وتوجه نداءً صارخًا لشعوب العالم: "إلى كل الضمائر الحية في العالم: أنقذوا أطفال غزة. أوقفوا هذه المهزلة. نحن لا نحتاج أقراص فيتامينات، نحتاج غذاءً حقيقيًا. هذه ليست مجاعة طبيعية، بل مجاعة مفروضة".

وبحسب تقارير صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية ومؤسسات إنسانية عاملة في غزة، فإن المواد التالية تُعدّ من الأكثر منعًا أو ندرةً منذ بدء الحرب: الحليب الطازج وحليب الأطفال: ممنوع بشكل شبه كامل، مع تسجيل حالات توزيع عبوات منتهية الصلاحية في السوق السوداء، واللحوم بأنواعها (الحمراء والبيضاء): وهي شبه غائبة عن الأسواق، مع منع إدخالها منذ مطلع مارس، بالإضافة إلى البيض: وهو منقطع، بينما مزارع الدواجن دمّرت كليًا. الخضروات الطازجة أيضًا: التي يعاني السوق من شح شديد فيها بسبب القيود على إدخالها من الجنوب أو إنتاجها محليًا، أما بخصوص الفواكه فممنوع إدخالها لغزة بشكل كامل.

منظمة الصحة العالمية: "المكملات لا تُعد بديلًا عن الغذاء الحقيقي، بل هي مساعدة داعمة في بيئات غذائية متكاملة، لا في مناطق تجويع".

ووفق تصريح سابق لمنظمة الصحة العالمية، فإن "المكملات لا تُعد بديلًا عن الغذاء الحقيقي، بل هي مساعدة داعمة في بيئات غذائية متكاملة، لا في مناطق تجويع".

ما تسمح "إسرائيل" بإدخاله لغزة يبدو في جوهره محاولة لتقديم "صورة إنسانية"، بينما تمنع الأساس: الغذاء. وبهذا، يتحول الدعم الصحي إلى مجرد غطاء لمجاعة سياسية تُفرض على الأطفال، لا تُعالجهم.

"وضع تغذوي كارثي"

وتقول الطبيبة نهال أبو بكر، الطبيبة العامة في إحدى عيادات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، غربي مدينة غزة لـ"نوى": "الوضع التغذوي للأطفال كارثي، والمكملات الغذائية التي بدأت بالوصول لا يمكن أن تُعوّض الفقد الهائل في النظام الغذائي اليومي للأطفال".

وأضافت: "الأطفال لا يحتاجون فقط لفيتامين C أو D في مسحوق داخل مغلق بلاستيكي، بل يحتاجون للفاكهة التي تحتوي على الألياف، للدهون الصحية من الحليب، للبروتينات من البيض والعدس واللحم، للزنك من الحبوب. جسم الطفل لا يُبنى بالمكملات، بل بالغذاء الحقيقي، المتنوع، والمتوازن".

وتُحذر أبو بكر من الاعتماد على المكملات وحدها، قائلة: "إعطاء المكملات لطفل لا يتناول طعامًا متوازنًا هو أشبه بمحاولة وضع لاصق على جرح عميق ينزف، دون وقف النزيف. نحن نُعطي الأطفال الفيتامينات وهم يُعانون من فقر الدم الحاد، ضمور العضلات، ضعف التركيز، تأخر في النمو العقلي والجسدي، بسبب غياب الغذاء الحقيقي".

طبيبة: "العيادات تشهد ارتفاعًا خطيرًا في الحالات التغذوية المعقّدة: "نعالج أطفالًا بعمر خمس سنوات يعانون من نقص الوزن الشديد، وأطفالًا لا يزيد وزنهم سوى غرامات قليلة منذ شهور، رغم أنهم يأخذون مكملات".

وتلفت إلى أن العيادات تشهد ارتفاعًا خطيرًا في الحالات التغذوية المعقّدة: "نعالج أطفالًا بعمر خمس سنوات يعانون من نقص الوزن الشديد، وأطفالًا لا يزيد وزنهم سوى غرامات قليلة منذ شهور، رغم أنهم يأخذون مكملات. السبب بسيط: لا يوجد ما يأكلونه فعليًا، لا وجبات يومية متكاملة، لا تنوع، لا دهون، لا طعام طازج".

وتؤكد الطبيبة أبو بكر أن الحل لا يكمن في صناديق "بودرة" تُوزع مرة كل شهر، بل في فتح المعابر لإدخال الغذاء الأساسي، قائلةً: "نحتاج إلى إدخال الحليب، والخضروات، والفواكه، والبيض، والأرز، واللحوم. لا يمكن محاربة سوء التغذية عبر أقراص، بل عبر وجبات".