وثائق تثبت حقوقًا دُفنت تحت ركام الحرب بغزة!
تاريخ النشر : 2025-06-03 12:17

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عندما صحا فايز عبد الله من صدمة فقده لثلاثة من أبنائه دفعةً واحدة، في قصف طال منزله في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، وجد نفسه يغرق في دوامةٍ لا نهاية لها. هو الآن بلا ولد، ولا سند، ولا هوية "كل أوراقي الثبوتية ومستنداتي المهمة أُحرقت بصاروخ" يقول لـ"نوى".

يملك فايز محلًا لبيع الأدوات الصحية منذ 27 عامًا، ويحدّثنا عن أوراق وشيكات "مؤجلة الدفع" بمبالغ كبيرة، ودفتر ديون كبير يحمل بين طيّاته قرابة 500 ألف شيقل له عند تجار وزبائن! ناهيكم عن عقد أرضه، وبيته، وغير ذلك من الوثائق التي تثبت حقوقه في هذه الدنيا.

يحكي بحرقة: "خسرنا أولادنا، وخسرنا حقوقنا كمان. دفتر المعاملات اختفى، وليس لدي أي إثباتات لقيمة الديون، ولا أستطيع مطالبة أحد".

ولم يتخيّل سكان قطاع غزة، أن نيران الحرب ستطال "وجودهم" وهم أحياء. ستمتد إلى أوراقهم الرسمية التي تحمل هوياتهم القانونية وأحقّيتهم في الأرض والمكان: سندات الملكية، وعقود البيع، والكمبيالات، ودفاتر الديون.

تلك الأوراق التي دُفنت تحت الركام، تركت الغزّيين يعيشون صدمةً مضاعفة، حين وجدوا أنفسهم يعيشون معركةً جديدة لإثبات ما هو معروف: هذا بيتي، هذه أرضي، وذلك حقي.

ووجب التنويه، إلى أن هذا التقرير أُعد في وقتٍ كان فيه الوصول إلى أي من الدوائر الحكومية الرسمية، نتيجة الاستهداف المباشر، والانهيار شبه الكامل للبينة الإدارية في القطاع.

وتحكي المحامية النظامية هديل جحا لـ"نوى"، كيف فقدت مكتبها القانوني بالكامل في برج الشروق، الذي دُمر في ثالث أيام الإبادة، المتواصلة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م.

لا تقتصر خسارة هديل على مكتبها، بل إن موكليها أنفسهم فقدوا مستنداتهم. كثيرون لا يملكون أي نسخ احتياطية، ولا يستطيعون اليوم إثبات حقوقهم أمام المحاكم.

وتقول: "كان عندي أرشيف قانوني متكامل: قضايا، وكالات، عقود، مراسلات مهمة"، مضيفةً بحرقة: "كل شيء راح".

ولا تقتصر خسارة هديل على مكتبها، بل إن موكليها أنفسهم فقدوا مستنداتهم. كثيرون لا يملكون أي نسخ احتياطية، ولا يستطيعون اليوم إثبات حقوقهم أمام المحاكم.

ويصف المستشار القانوني عبد العزيز الغلاييني الأمر بـ"الكارثة القانونية"، قائلًا: "سندات الملكية، وعقود البيع، والشيكات، والكمبيالات، كلها وثائق تُثبت العلاقة القانونية بين الأفراد. بفقدانها، يصبح استرداد الحقوق أمرًا شديد الصعوبة، لا سيما عند الذين لم يسجلوا عقودهم لدى كاتب عدل أو عند الجهات الرسمية".

مستشار قانوني: "ندعو لإعداد مشروع قانون مرن ومؤقت، يراعي مسألة الرسوم والإجراءات والإثباتات، استثناءً عن الطرق المرسومة والمتبعة قانونًا، ويمنح القضاة صلاحيات أوسع لقبول القرائن البديلة".

ونادى الغلاييني بضرورة إعداد مشروع قانون مرن ومؤقت، ومحدد بوقت، يراعي مسألة الرسوم والإجراءات والإثباتات، استثناءً عن الطرق المرسومة والمتبعة قانونًا، ويمنح القضاة صلاحيات أوسع لقبول القرائن البديلة في ظل الظروف الطارئة، كالشهود والصور، أو حتى الرسائل النصية، ذلك لمراعاة صون الحقوق، والوصول المرن للعداية.

وأشار إلى إمكانية حصول المواطنين على مستنداتهم "الموثقة" من الجهات الرسمية، كالطابو، ونقابة المحامين، والبلدية، وشركة الكهرباء، والمؤسسات الحكومية.

ولفت إلى أن نقابة المحامين، أطلقت نظامًا خاصًا لتوثيق العقود التي ينظمها المحامون، يتيح تدقيق العقود قانونيًا قبل تصديقها، والتحقق من تسلسل الملكية، والمحامي مصادق العقد، والتحقق من تاريخ ثابت للعقد، وتوثيقه بتاريخ رسمي لا يمكن التلاعب به، بالإضافة إلى أنه -وهذا الأهم- يقوم بأرشفة العقود في ظل غياب دور دائرة تسجيل الأملاك (الطابو) في الوقت الراهن"، كما أنه يحفظ نسخة ورقية وأخرى إلكترونية على سيرفرات خاصة.

محامية: "بعض الوثائق الإلكترونية، مثل رسائل "واتساب" أو البريد الإلكتروني، قد تُستخدم في المحاكم كأدلة مساندة، لكنها تبقى محدودة القيمة القانونية إن لم تكن موثقة رسميًا".

والوثائق التي تحدث مواطنون عن فقدانها في ظل هذه الحرب الضروس، تنقسم -وفق المحامية نور عيسى- إلى ثلاثة أقسام: سندات رسمية "مثل سندات تسجيل الأراضي وعقود الإيجار الموثقة، وهذه يمكن استخراج بدل فاقد منها"، وسندات عرفية: "مثل الكمبيالات والعقود غير المصدّقة، وهذه تحتاج إلى شهود لإثباتها، وقد تُرفض من قبل المحكمة إذا كانت مشكوكًا فيها"، ووثائق غير موقعة: "كالمراسلات والملاحظات الشخصية، وتُقبل أحيانًا كقرائن إذا توفرت أدلة داعمة" تقول.

وتؤكد أن بعض الوثائق الإلكترونية، مثل رسائل "واتساب" أو البريد الإلكتروني، قد تُستخدم في المحاكم كأدلة مساندة، لكنها تبقى محدودة القيمة القانونية إن لم تكن موثقة رسميًا كما تؤكد عيسى.

وعلى ما يبدو، فإن المعارك لن تنتهي في قطاع غزة بانتهاء القصف، فهناك حرب جديدة سيخوضها آلاف المواطنين في أروقة المحاكم لإثبات حقوقهم، وسط فوضى ضياع الوثائق، بينما يستمر محامون بالمطالبة بإنشاء دائرة قانونية خاصة للطوارئ، "تتولى النظر في هذه القضايا، وتبسط إجراءات الإثبات القانوني" تقول عيسى.