أبناء البحر حُرموا خيره.. "السمك" لمن يملك ثمنه!
تاريخ النشر : 2025-05-31 11:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لوهلةٍ خالَ أنه لم يسمع ما قاله البائع جيدًا. "مئة شيقل لكيلو من السردين؟!" سأله بامتعاضٍ ومضى.

في محاولةٍ منه لسد جوع أطفاله، ودعمهم بغذاءٍ غير الذي يتناولونه منذ أشهر، ويتلخص بمعلبات الفول والعدس، تجول أبو سائد مقاط في سوق الشيخ رضوان، غربي مدينة غزة، بحثًا عن شيءٍ مختلف، ليجد أمامه أحد الصيادين يضع فرش سمك صغير، عليه القليل من السردين الذي استطاع صيده قرب الشاطئ.

يقول بحزن: "البسطات فارغة. حاولت طوال الأسبوع الماضي توفير مبلغٍ بسيط، وأسررت في نفسي شراء وجبة سمك، لكن الأسعار التي فاجأني بها البائع صدمتني"، ملفتًا إلى أنه بات يتجنب جلب أيٍ من أطفاله معه إلى السوق خشية أن تقع أعينهم على شيء لا يستطيع توفيره لهم.

ويعد "السردين" أرخص أنواع الأسماك التي كانت تباع في غزة قبل "الإبادة"؛ لوفرته، إذ كان يباع الكيلو الواحد منه آنذاك بمبلغ يتراوح بين 12 و15 شيقلًا.

وقلة الأسماك في أسواق قطاع غزة ليست أزمة عابرة، بل نتيجة مباشرة لحرب الإبادة الإسرائيلية والحصار البحري المشدد، كما يوضح الصياد عماد الرشيدي، الذي قال: "تعرضت جميع قوارب الصيد التي أمتلكها للقصف مع بداية الحرب. أضطر الآن لشراء السمك من الصيادين الذين يخاطرون بدخول البحر ثم أعيد بيعه".

ويتابع في حديثه لـ "نوى": "الأنواع المتوفرة في السوق قليلة ونادرة مثل السردينة، القراص، البوري،  السلفوح، الدينيس ويباع بأسعار باهظة جدًا".

وبحسب الرشيدي، فإن كيلو السردين يتراوح بين (90 و100) شيكل، بينما البوري والدينيس يلامسان حدود الـ 300 شيكل للكيلو الواحد، والسلطعون يباع بين (٨٠ و١٠٠ شيكل)، والجمبري بين (٣٠٠ و٤٠٠) شيكل.

ويضيف الصيّاد: "رغم المجاعة المستمرة، فإن الإقبال على الشراء ضئيل جدًا، باستثناء من يعانون أمراضًا مُزمنة، أو جرحى الحرب ومبتوري الأطراف وكبار السن الذي يحتاجون بشدة لتعويض عناصر غذائية أساسية".

"رغم المجاعة المستمرة، فإن الإقبال على الشراء ضئيل جدًا، باستثناء من يعانون أمراضًا مُزمنة، أو جرحى الحربوكبار السن الذي يحتاجون لتعويض عناصر غذائية".

ومنذ إعادة إغلاق "إسرائيل" للمعابر في الثاني من مارس/آذار 2025م، يعيش سكان قطاع غزة أزمة إنسانية خانقة، تفاقمت معها المجاعة وانقطاع الغذاء والدواء عن أكثر من مليوني إنسان.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن سوء التغذية ونقص الدواء، أوديا بحياة 326 فلسطينيًا على الأقل، غالبيتهم من الأطفال. في حين وصف (المرصد الأورومتوسطي) لحقوق الإنسان ما يحدث بـ"موجة الموت الصامت"، التي تتسارع يومًا بعد يوم.

وفي ظل هذا الواقع القاسي، يعاني قطاع الصيد البحري من دمار شامل، حيث يوضح نزار عياش، نقيب الصيادين في قطاع غزة، أن حوالي 90٪ من قوارب الصيادين في غزة والشمال دُمرت بالكامل، بينما تضررت بنسبة  70% إلى 80% في المناطق الوسطى وخان يونس ورفح، "كما تضررت البنية التحتية الأساسية مثل إنارة الميناء، ومصانع الثلج، والطاقة الشمسية، ومحطات التحلية بشكل كبير للغاية".

ويقدر عايش خسائر الصيادين بالقطاع بـ75 مليون دولار، ويضيف: "كان الصيادون في غزة يعتاشون يومًا بيوم من الصيد، أما اليوم فأصبح معظمهم يعتمدون على المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها المؤسسات الدولية، التي توقفت هي أيضًا مع إغلاق المعابر، ما جعلهم في وضع مأساوي للغاية".

ووفق عايش، فإنه رغم الخطر، لا يزال بعض الصيادين يخاطرون بأرواحهم باستخدام حسكات يدوية؛ للدخول مسافة ميل أو أقل في البحر، حيث يتعرضون للاعتداء أو القتل من قبل الزوارق الحربية الإسرائيلية.

ويؤكد أنه أنه منذ بدء الحرب على قطاع غزة، قُتل 120 صيادًا، بعضهم أثناء ممارسة عمله، وآخرون في داخل منازلهم".

الصياد تامر بكر، من مخيم الشاطئ، فقد مركبه مع اندلاع الحرب، لكنه لم يستسلم، فاشترى وشقيقه مركبًا يدويًا بسعر باهظ، "وقبل النزول إلى البحر في كل مرة، نُقيّم الوضع الميداني.. إن كانت الزوارق الحربية قريبة نؤجل النزول، وإن ابتعدت قليلًا نُغامر لساعات معدودة فقط، كي نؤمن طعام أطفالنا".

"قبل النزول إلى البحر في كل مرة، نُقيّم الوضع الميداني.. إن كانت الزوارق الحربية قريبة نؤجل النزول، وإن ابتعدت قليلًا نُغامر لساعات معدودة فقط، كي نؤمن طعام أطفالنا".

في كل مرة يقرر فيها بكر وشقيقه النزول، يباغتهما أطفالهما بالسؤال المُر: "هل ستعودان اليوم؟"، يقول تامر بصوتٍ متهدّج "لا أملك إجابة، أحتضنهم قبل خروجي وكأنها المرة الأخيرة،  فنحن لا نذهب للصيد فقط، نحن  نذهب في مهمة محفوفة بالموت، نبحث فيها عن حياة وقوت أبنائنا".

ويردف بحرقة: "كل ما نريده أن نعيش بكرامة، أن نطعم أبناءنا مما نصطاده، بدون أن يلاحقنا الموت".