غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"حسن استشهد.. بالطيارة قصفوه، قتلوا هالوردة الجورية"، بهذه الكلمات، وبصوته الذي خيم عليه القهر والحزن، رثى والد الشهيد الطفل حسن عياد ابنه منشدًا أمام الملأ.
دموعه انهمرت من قلبه قبل أن يراها الحشد الذي أنصت لإنشاده في عينيه. لقد استشهد حسن، هذه هي الحقيقة التي عليه أن يصدقها، استشهد بصاروخٍ غيّب صوته للأبد.
لم يتخيل والد حسن، أن ابنه (14 عامًا) الذي يرافقه في عمله منذ أربع سنوات في الإنشاد وجلسات المديح النبوي، لن يعود، وهو الذي ذهب في مهمةٍ تطوعية: توزيع ملابس للأطفال النازحين.
يقول لـ"نوى" بصوتٍ يرتعش ألمًا: "أصرّ كثيرً كي يذهب. رفضت في ذلك اليوم بشدة، ولا أدري ما الذي دفعني لذلك.. كأنني شعرت بأنه لن يعود".
لم يخب ظن أبو حسن. وصله خبر ارتقاء حسن ومن كان معه يستقل السيارة المحملة بالملابس، في الخامس من مايو/ أيار الجاري. يقول: "طار جسده بعيدًا بعدما اخترقته الشظايا.. استشهد وتركني بعده أكابد ألم الفراق".
بين أزقة مخيمات النازحين وفي مدارس الإيواء وعلى مفترقات شوارع غزة، صدح صوت حسن، منشدًا لغزة ولأهلها بكلماته، مشيدًا بصبرهم وصمودهم، ومؤكدًا لهم بأن الفرج قادم لا محالة.
"اشهد يا عالم علينا وهدوا بيوت، والعرب بنومة هنية.. واللي ما شاف من الغربال غزة تموت.. أعمى بعيون أمريكية"، بكلمات الفلسطيني حسين منذر، أنشد حسن في أحد أزقة مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كي يوصل معاناة الغزيين للعالم، الذي لا يحرك ساكنًا لوقف الإبادة الجماعية منذ أكثر من عام.. هناك صوّره أحدهم ونشر المقطع، وبدأ منذ ذلك الحين "صوت حسن" وقوة صداه تتردد كأيقونةٍ لصمود الأطفال في قطاع غزة.
عن ذلك اليوم، يتابع والده: "كنت عائدًا وإياه من حفل للأطفال في أحد مدارس الإيواء، كي نرسم البسمة على وجوههم، التف الأطفال حولنا أمام عيادة الأونروا وأصروا عليه بالنشيد، فلم يخذلهم حسن، غنى وصفق له الجميع.. أعطاهم دفعة ثبات إضافية، وجرعة أمل جديدة بقادمٍ أفضل".
لاقى مقطع الفيديو ذاك، تفاعلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصيب حسن ووالده بالذهول، ولم تكن الفرحة تسع كليهما. وفق قوله.
كان والد حسن من أكبر داعميه، يشجعه للنزول إلى الشارع وإقامة المهرجانات لرسم البسمة على وجوه أطفال غزة، والتخفيف من حجم معاناتهم. يقول والده: "عندما سمعته، شعرت بأن الكلمات تخرج من قلبه. أيقنت أن صوته يجب أن يصل لكل العالم".
وعن أكثر اللحظات التي لا ينساها والد حسن، حين كان يجلس معه على منصة "تيك توك"، ويبدأ بالإنشاد للنبي محمد أمام المتابعين. يحكي: "صوته في كل مرةٍ كان يبكيني.. أتذكره الآن فينفطر قلبي، أفتقده في كل الأماكن وأبكي".
لم يكن الطريق الذي شقّه حسن ووالده هينًا، بل محفوفًا بالمخاطر والتهديدات، يروي والده: "واجهت تهديدات من الاحتلال بشكل مباشر، يريدون كتم أفواهنا عن العالم"، مشيرًا إلى أن ذلك لم يثنِه وابنه عن مواصلة العمل والصدح بصوت غزة.
يعقب الأب المكلوم بصوتٍ يرتجف: "موت حسن كسرني"، لكنه استجمع قواه وتعهّد لروح ابنه: "سأكمل الطريق حتى ألحق بك يا حسن".
