غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يقطع الطفل مؤمن سعد، البالغ من العمر (13 عامًا)، وشقيقه مصعب (10 أعوام)، بشكل يومي نحو ثلاثة كيلومترات سيرًا على الأقدام من مركز إيوائه غربي غزة، بحثًا عن وجبة طعام من إحدى التكيات الخيرية التي لا تزال تعمل، رغم استهداف الاحتلال الإسرائيلي المتكرر لها.
وكانت عائلته، التي نزحت من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، إثر القصف الإسرائيلي هناك، تعتمد سابقًا على تكية في شارع العيون بحي الشيخ رضوان، قبل أن تُقصف وتُدمر في مطلع مايو/ آيار الجاري.
ويقول مؤمن، وهو يحمل إناء فارغًا بيده الصغيرة: "أحيانًا أعود بوجبة تكفينا ليوم، وأحيانًا أخرى ننام بلا طعام"، في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال المواد الغذائية إلى شمالي القطاع منذ أكثر من 80 يومًا متواصلة.
شريان الحياة
وتعد التكيات الخيرية في قطاع غزة، بمثابة صمام أمان غذائي لآلاف العائلات، لكنها لم تسلم من عدوان الاحتلال، فقد دُمّرت 29 تكية ومركز طهي جماعي، إضافة إلى 37 مركزًا لتوزيع الطعام، ما تسبب في انهيار شبه كامل للبنية التحتية للإغاثة الغذائية، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي.
وفي واحدة من أبشع الهجمات، استهدفت طائرات الاحتلال تكية خيرية في حي الشيخ رضوان، بينما كان المتطوعون يعدّون وجبة "شوربة الفريكة" لتوزيعها على النازحين، ما أسفر عن استشهاد ستة من المتطوعين هم: محمد المقيد، وأحمد قزاعر، وتامر حمدان، ورزق المدهون، وحاتم الساعاتي، وسامر النويري، إلى جانب عدد من الإصابات بينهم أطفال.
مؤمن، الذي كان ينتظر الطعام على بُعد أمتار من مكان الحادث، نجا بأعجوبة. يقول بصوت مرتجف لـ"نوى": "رأيت القدور تنقلب، وبدل الطعام سالت دماء الشهداء، لا أفهم لماذا تُقصف أماكن مثل هذه؟!".
بركة دم
ويصف عبد الله حميد، أحد سكان المنطقة، اللحظات الأولى للغارة، بقوله: "كنت متجهًا إلى التكية حاملًا وعاءً لأجل عائلتي، وعندما اقتربت، دوى الانفجار، رأيت العاملين ممددين على الأرض، والدماء تملأ المكان، واختلطت الشوربة بالدم، في مشهد لن أنساه ما حييت".
"في الليلة التي سبقت القصف، حاولت مجموعة مسلحة السطو على التكية، لكن الأهالي تصدوا لهم، وفي اليوم التالي استُهدفت التكية".
ويضيف بحسرة وغضب: "ما ذنب هؤلاء الشباب؟ كانوا يطبخون للفقراء، لا يحملون سلاحًا ولا يشكلون تهديدًا"، مردفًا: "الاحتلال لا يريد لنا الحياة، بل يريدنا أن نجوع، ليدفعنا نحو النزوح والرحيل".
ويشير إلى واقعة مريبة سبقت الهجوم: "في الليلة التي سبقت القصف، حاولت مجموعة مسلحة السطو على التكية، لكن الأهالي تصدوا لهم، وفي اليوم التالي استُهدفت التكية، كأنها كانت عملية مبرمجة لنشر الفوضى وضرب آخر معاقل الصمود".
سلاح التجويع
من جهته، أكد د.إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن استهداف الاحتلال للتكيات الخيرية يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، مشيرًا إلى أن "إسرائيل" تستخدم سلاح التجويع كأداة للإبادة الجماعية، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف الموارد المدنية الأساسية.
وأضاف: "الاحتلال تعمّد قصف 29 تكية و37 مركزًا لتوزيع المساعدات، مما أدى إلى حرمان آلاف الأسر من أبسط حقوقها في الغذاء".

وكشف عن تسجيل 52 حالة وفاة بسبب الجوع وسوء التغذية، بينهم أكثر من 50 طفلًا، إلى جانب أكثر من 3,500 طفل تحت سن الخامسة، معرضين لخطر الموت بسبب الجوع الحاد.
وأمام هذه الجرائم المتواصلة، طالب الثوابتة، بتحرك دولي فوري لمحاسبة الاحتلال وفرض حماية عاجلة للمدنيين في غزة، مؤكدًا أن استهداف التكايا الخيرية لا يُعد مجرد عمل عدواني، بل استراتيجية تهدف لتجريد السكان من وسائل البقاء، ودفعهم قسرًا للنزوح.
