غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يجلس الشاب مصطفى العربيد (23 عامًا) على كرسي داخل مختبر بنك الدم في مستشفى الشفاء بمدينة غزة، وفي يده اليُسرى أنبوب متصل بحبل طبي، يتدفق من خلاله الدم وصولًا إلى كيس صغير، ينتظر أن يمتلئ بالكامل.
أمضى "مصطفى" عدة دقائق وهو ينتظر امتلاء ذلك الكيس، وخلالها، بدا على ملامحه التعب والإرهاق، وتحوّل لون وجهه إلى الأصفر، فأُصيب بحالة من الغثيان. قال لإحدى الموظفات: "أشعر أن المكان يدور حولي"، فتوجهت نحوه مُسرعة تسأل عن آخر ما تناوله قبل يأتي للتبرع بالدم، ليجبها: "قطعة خبز محشوة بالزعتر، أكلتُها قبل 12 ساعة".
لم تُصدم الموظفة التي تعاني نفس الواقع، الذي يعيشه مصطفى وكافة سكان قطاع غزة، بفعل استمرار الاحتلال إغلاق المعابر منذ ما يزيد على 60 يومًا، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والغذائية، وهو الأمر الذي أدخل القطاع في مجاعة، أصابت آلاف المواطنين بأمراض سوء التغذية.

يحكي "مصطفى" لشبكة "نوى": "آثرت بنفسي أن أتبرع بالدم في ظل حاجة جرحى القطاع للكثير من وحدات الدم، لكنني أعيش كما باقي أبناء القطاع في مجاعة تسببت بتقليص عدد وجبات الطعام التي أتناولها برفقة عائلتي، إلى وجبة واحدة بدلًا من ثلاثة، ولا تكفي لسد جوعنا بالكامل".
ويحكي بصوت مُنهك: "جئت لبنك الدم من معسكر جباليا شمالي القطاع مشيًا على الإقدام، وهو ما جعلني أبذل مجهودًا كبيرًا، أثّر على حالتي الصحية خلال التبرع بالدم. شعرت بالإرهاق والتعب والهزلان وصداع شديد في الرأس، جعلني لا أقدر على الحركة لمدة تزيد على عشر دقائق بعد الانتهاء".
وعلى بُعد أقل من مترٍ منه، يجلس الشاب حمزة منير على كرسي آخر، وقد بدا وجهه شاحبًا يكتسي باللون الأصفر، تجتاحه حالة من الهذيان والإعياء، أثناء سحب الدم من يده اليسرى. يقول لـ"نوى": "منذ اللحظات الأولى للتبرع بالدم شعرت بصداع ودوخة شديدة لأول مرة أشعر بها، حتى أنني لم أستطع تحملها".
"تبرعت بالدم رغم الجوع، فهناك جرحى كثر والمستشفيات بحاجة لدم. شعرت بدوخة وهزلان شديد، والمشكلة أنني جئت إلى المكان مشيًا".
ويضيف وعلامات الإرهاق ظاهرة على وجهه: "تبرعت بالدم رغم الجوع، فهناك جرحى كثر والمستشفيات بحاجة لدم. شعرت بدوخة وهزلان شديد، والمشكلة أنني جئت إلى المكان مشيًا على الأقدام بسبب عدم توفر أي مواصلات".
لم يجد الشاب كلمات تُسعف ذاكرته المُتعبة، فاكتفى بتوجيه رسالة مليئة بالحزن والقهر لكل الضمائر الحية في العالم: "أين أنتم من غزة وحالها المُبكي؟ غزة تموت جوعًا".
آثار بالغة
من ناحيتها، تؤكد أخصائية التحاليل الطبية والتغذية في مختبر الشفاء سماهر أبو عجوة، أن "سوء التغذية ترك أثرًا بالغًا على المتبرعين في مختبرات غزة".
وتقول لـ "نوى": "في كثير من الحالات، يأتي المتبرع ولم يتناول الطعام منذ أكثر من 12 ساعة، وأقصى ما تناوله قبلها نصف رغيف، وهذا خطر كبير؛ لأن التبرع بالدم يتطلب طاقة وسعرات حرارية وتعويض سريع للسوائل والسكريات المفقودة".
"نسأل المتبرع إن تناول إفطاره، وإن لم يفعل، نحاول تزويده بعصائر وسكريات، ولكن حتى هذه ليست متوفرة دائمًا. في بعض الأحيان لا نجد كأس ماء حلو لتقديمه".
وتضيف: "نسأل المتبرع إن تناول إفطاره، وإن لم يفعل، نحاول تزويده بعصائر وسكريات، ولكن حتى هذه ليست متوفرة دائمًا. في بعض الأحيان لا نجد كأس ماء حلو لتقديمه".
وتؤكد أبو عجوة أن الوضع مقلق للغاية، لأن عملية التبرع تُنفّذ دون توفير معايير السلامة أو فحوصات أولية. وتتابع: "نعمل دون أدوات كافية، ونفتقد لأبسط الاحتياجات مثل السكر والماء النظيف".
من ناحيتها تقول مديرة دائرة المختبرات وبنوك الدم في وزارة الصحة سحر غانم: "التبرع بالدم يجب أن يُجرى وفق معايير عالمية. أن نقيس نسبة الهيموغلوبين، والوزن، والضغط، وأن نستفسر عن وجود أمراض".
"المتبرعون يعانون من نقص الحديد والفيتامينات، ما يجعلهم أكثر عرضة للإغماء والدوخة خلال التبرع".
وتضيف غانم لـ "نوى": "في ظل الحاجة الماسة، نضطر أحيانًا لتجاوز المعايير، ونسحب الدم من متبرعين يعانون من سوء تغذية واضحة".
وتتابع: "المتبرعون يعانون من نقص الحديد والفيتامينات، ما يجعلهم أكثر عرضة للإغماء والدوخة خلال التبرع"، مشيرةً إلى أن نسبة الإغماءات زادت بشكل كبير خلال الحرب، وسوء التغذية هو السبب الرئيس.
وتذكر غانم أبرز الأعراض الشائعة التي تظهر على المواطنين بعد التبرع، وهي الدوخة والصداع الشديد، والإغماء أو الغيبوبة في بعض الحالات، اصفرار في الوجه، وهشاشة العظام نتيجة نقص الكالسيوم، والضعف العام والهزلان".
ويناشد العاملون في القطاع الصحي جميع الجهات الدولية والإنسانية بتقديم الدعم الغذائي والدوائي، وتوفير المستلزمات الطبية الأساسية لبنوك الدم، وضمان حق الغزيين في التغذية السليمة والرعاية الصحية كحدٍّ أدنى من حقوقهم الإنسانية.
أصبح التبرع بالدم في قطاع غزة ملحمة إنسانية يومية، يُقبل فيها المواطن على تقديم دمه رغم الجوع والإرهاق، مدفوعًا بحس المسؤولية المجتمعية والوطنيّة، لكنّ استمرار الحرب وسوء التغذية باتا يهددان حياة المتبرعين قبل المصابين.
