لصوص "الحرب" ينشبون أظافرهم في عُمق "الجرح" بغزة!
تاريخ النشر : 2025-05-13 09:30
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"ضربة موس خاطفة، كبرق الشتاء، شقّت خيمتي، وأصابت كتفي وخدي الأيمن حتى صيوان أذني. صرختُ بصوتٍ كاد يوقظ الأموات، فهرع أربعة رجال إلى خيمتي، واكتشفوا أن الهدف كان السرقة". هذا ما أخبرت به "فاطمة" (اسمٌ مستعار)، مراسل "نوى" الذي التقى بها مصادفةً في مستشفى شهداء الأقصى، وسط قطاع غزة.

الضماد الذي كان يلف وجه فاطمة، لم يتح لنا تحديد عمق الجرح الذي أصيبت به، لكن جرح قلبها كان ينزف على عيون كل من في الغرفة ينتظر دوره! تخبرنا باكيةً: "الجاني فرّ كريحٍ في عاصفةٍ صحراوية، أما أنا فبدأتُ رحلةً جديدة من المعاناة مع التشوه والخذلان".

"ضربة موس خاطفة، كبرق الشتاء، شقّت خيمتي، وأصابت كتفي وخدي الأيمن حتى صيوان أذني. صرختُ بصوتٍ كاد يوقظ الأموات، فهرع أربعة رجال إلى خيمتي، واكتشفوا أن الهدف كان السرقة".

فاطمة، النازحة من مدينة غزة، إلى منطقة "البصة" في دير البلح، وسط القطاع، تعمل متطوعةً في أحد أفران الطينة، وقد بدأت حكايتها في ليلةٍ كان فيها غالبية سكان مخيم الإيواء في حفل خطوبة لفتاة فقدت أهلها بداية الحرب. خلعت "هـ.ب" ملابس العمل، واستلقت منهكة على فرشتها، لكنها لم تتوقع أن يأتيها الخطر من حيث احتمت.

تختم الشابة العشرينية حديثها قائلة: "ليته سرق كل ما في خيمتي، ولم يسرق وجهي.. بهائي الذي أظلم للأبد".

ولم تكن "فاطمة" ضحية السرقة الوحيدة، في زمن الإبادة، فـ"تحت دخان المعركة تُسرق البيوت"، حسب ما يقول مثل روسي شهير.. وجهٌ آخر للمأساة، تجلت فيه ملامح انحدار البعض أخلاقيًا، ممن استغلوا الفوضى، وغرسوا خناجرهم في خاصرة المجتمع.. عن "لصوص الحرب" نتحدث:

"حتى صورة طفلي الشهيد"

"س.م"، نازحٌ يعيش في خيمة بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، ويملك أيضًا قصة. يروي الرجل كيف غادر خيمته برفقة زوجته وابنته الوحيدة إلى المغازي، تاركًا خلفه مقتنياته كلها، بعد أن أغلق خيمته بقفلٍ صغير.

يقول: "عدت في اليوم التالي، فوجدت فتحةً في الجدار الخلفي للخيمة، واكتشفتُ أن لصًا سرق جوازات السفر، ومحفظتي، وسوارًا ذهبيًا كنت اشتريته قبل الحرب بأسبوع، ودفنته في أرضية الخيمة بمكانٍ له علامة، بالإضافة لتقارير طبية خاصة بزوجتي، التي تعاني من مرض في الكلى".

"ذهبتُ لمستشفى ناصر الطبي، وقدّمت شكوى للشرطة هناك، عاينوا المكان، لكن بلا جدوى.. السارق ما زال مجهولًا، وما سُرق لن يعود".

ويستدرك بحرقة: "لكن ما أدمى قلبي أكثر، اختفاء صورة طفلي الشهيد يوسف، التي كنت أحتفظ بها لأراها كلما اجتاحني الشوق"، مضيفًا: "ذهبتُ لمستشفى ناصر الطبي، وقدّمت شكوى للشرطة هناك، عاينوا المكان، لكن بلا جدوى.. السارق ما زال مجهولًا، وما سُرق لن يعود".

“المصاري بستين داهية"!

قصة "رويدة" ليست أقل قسوة. نزحت صاحبة الاسم المستعار -وفق طلبها- إلى منزل ابنتها المتزوجة في خان يونس جنوبًا بداية الحرب. تسكن عائلة زوج ابنتها في الطابق الأرضي، ومن بينهم شقيقه الأصغر، الذي كانت تثق به وتكلفه بمساعدتها في التبضع. احتفظت رويدة بمبلغ 3600 دولار، و1300 شيكل، ومصاغها الذهبي، لكنها لاحظت اختفاء مبلغ 2000 دولار لاحقًا.

"كانت ابنتي قد شاهدته داخل الشقة بشكل مريب، وعندما سألته أجاب أنه دخل ليستخدم الحمام، لأن الماء مقطوعة في الطابق السفلي".

تقول: "كانت ابنتي قد شاهدته داخل الشقة بشكل مريب، وعندما سألته أجاب أنه دخل ليستخدم الحمام، لأن الماء مقطوعة في الطابق السفلي".

أخبرت رويدة زوج ابنتها، الذي ثار غاضبًا، وعدّ الاتّهام باطلًا. الخلاف كاد أن يصل حد الطلاق، فتوسّلت ابنتها إليها كي لا تفتح الموضوع مجددًا، بل عرضت دفع المبلغ لها لاحقًا بعد أن تستطيع توفيره. تعقب السيدة: "رفضتُ، وقلت: المصاري بستين داهية ولا أخرب بيت بنتي"، هكذا أنهت رويدة حديثها بنبرة ملؤها الانكسار.

"قانونيًا: لا تقادم في الجرائم زمن الحرب"

المحامي والمستشار القانوني، محمد عطا المصري، أوضح في حديث خاص لـ"نوى"، أن الظروف الراهنة تعيق اتخاذ إجراءات قانونية بحق مرتكبي الجرائم، بسبب استهداف مراكز الشرطة وتفكيك البنية الأمنية في قطاع غزة. لكنه أكد أن القانون يجيز للمتضررين التقدم بالشكاوى بعد انتهاء الحرب، حيث تعدُّ فترة الطوارئ "مدة توقف تقادم"، أي أنها لا تُحتسب في حساب المدد القانونية.

"عدم تقديم الشكوى لا يسقط الحق في المطالبة بالمسروقات أمام القضاء المدني. "وحتى في حال غياب الإدانة الجنائية، يحق للمتضرر إقامة دعوى مدنية مدعومة بإثباتات من رجال الإصلاح أو لجان الطوارئ".

ومن جانبها، أوضحت المحامية والمستشارة القانونية رباب فتحي عيسى، أن عدم تقديم الشكوى لا يسقط الحق في المطالبة بالمسروقات أمام القضاء المدني. "وحتى في حال غياب الإدانة الجنائية، يحق للمتضرر إقامة دعوى مدنية مدعومة بإثباتات من رجال الإصلاح أو لجان الطوارئ".

وبرغم أهمية سماع رأي الجهات التنفيذية والقضائية المختصة، إلا أن ظروف الحرب حالت بين "نوى" والوصول إليهم. لكن تبقى هذه الشهادات، علامات على جراحٍ داخلية أعمق من القصف، تحتاج إلى عدالة تنتظر انتهاء هذا الظلام.