غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تتخيل (م.ق) أنها ستضطر يومًا ما إلى ملاحقة طليقها في المدرسة التي نزح إليها بعد قصف منزله، مطالبةً إياه بدفع نفقة أطفالها الأربعة.
تقول لـ"نوى": "شعرت بالإذلال عندما لم أرَ في عينيه أي شفقة، وأنا أقف برفقة أطفالي الأربعة في حالة حرمان لم يسبق لها مثيل، أتوسل إليه نفقتهم، وهي حقهم، بينما هو لا يحرك ساكنًا، ويشيح بيده صارخًا: إيش أعملك؟ ما انتو شايفين الوضع".
"شعرت بالإذلال عندما لم أرَ في عينيه أي شفقة، وأنا أقف برفقة أطفالي الأربعة في حالة حرمان، أتوسل إليه نفقتهم -وهي حقهم- بينما هو لا يحرك ساكنًا".
منذ اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، لم تجد السيدة (45 عامًا) ما يسد رمق أطفالها سوى المساعدات التي كانت تصل من القائمين على المخيم الذي نزحت إليه، "لكنها توقفت منذ شهرين، بعد إعلان دولة الاحتلال استئناف الحرب" تستدرك.
وتكمل بحرقة: "لولا دعم المعارف والاقارب وأهل الخير، في ظل غياب دوائر تنفيذ الأحكام، لكانت أوضاعنا أقسى بمراحل".
ودخل الواقع القانوني في قطاع غزة، بعد السابع من أكتوبر 2023م، حالة انفلاتٍ غير مسبوقة، لم يقتصر أثرها على انعدام الأمن لدى المواطنين بسبب العدوان على القطاع وحسب، بل امتد ليشمل شريان حياة الكثير من الأسر القائمة على أمٍ مطلقة: "النفقة".
وكانت طفلة (ن.ح) الصغرى بعمر السنتين، عندما باعت مصاغها الذهبي لتساعد زوجها في السفر، وترتيب أولويات الحياة في الخارج، على أمل أن يرسل إليها ولطفليها ليلحقوا به بعد ذلك، "وهو الأمر الذي مضى عليه أكثر من ثلاث سنوات" تقول لـ"نوى".
"في البداية، كان يتواصل باستمرار ويطمئنّ عليّ، وكان لديّ مبلغٌ أعيش منه، لكن الحرب طال أمدها وانقطع التواصل. علمت لاحقًا أنه تزوج بفتاة سورية في القاهرة".
وتضيف: "في البداية، كان يتواصل باستمرار ويطمئنّ عليّ، وكان لديّ مبلغٌ أعيش منه، لكن الحرب طال أمدها وانقطع التواصل. علمت لاحقًا –عن طريق صديق له– أنه تزوج بفتاة سورية في القاهرة، ولم أجد طريقةً للاتصال به حتى هذه اللحظة".
توجهت السيدة العشرينية إلى والد زوجها لتشكوه، فطلب منها الانتظار على الباب، وقال لها بمنتهى الجلافة: "مين قلك تبيعي ذهبك علشان يسافر؟ أنا مش لاقي آكل علشان أطعميكي وأطعمي أولادك".
وفي لحظة يأسٍ عظيمة، تابعت: "لم أتمالك نفسي من القهر والظلم؛ فما كان بيدي حيلة إلا ترتيل الدعاء، علّ الله يقف بجواري ويأخذ لي حقي".
صندوق النفقة
وتؤكد المحامية الشرعية دعاء السكني، أن الطرق القانونية التنفيذية باتت شبه معدومة حاليًا؛ نظرًا لعدم وجود محاكم وإقتصار عملها بحدود استخراج بعض الحجج الشرعية، مقترحةً عدة بدائل، أولها الاستفادة من صندوق النفقة الفلسطيني، وتفعيل خطة طوارئ للصندوق لدعم المستفيدات في غزة في ظل الظروف الصعبة، بالإضافة إلى اللجوء إلى لجان التحكيم الشرعي، عبر تشكيل لجان في كل منطقة، تتألف من محكم شرعي ومستشار قانوني وعضو لجنة إصلاح، للنظر في قضايا النفقة وإصدار الأحكام ملزمة.
وأشارت إلى أهمية إعادة تفعيل المحاكم الشرعية جزئيًّا، من خلال توفير قاضٍ شرعي ورئيس قلم في كل محافظة، لحل النزاعات أو المصادقة على أحكام لجان التحكيم، "وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني، مثل المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان والمؤسسات النسوية الفاعلة، لتقديم الدعم القانوني والمرافعة للمتضرّرات".

بدورها، تلفت المحامية الشرعية هبة السدودي، إلى أن المحاكم في قطاع غزة اليوم، تعمل وفق نظام الطوارئ، "أي أنها تقتصر على تسيير وتسهيل معاملات المواطنين ضمن نطاقٍ معين، مثل إجراءات الحجج والوصايا وولاية الجد لإدارة شؤون الأيتام".
وتقول: "لا يوجد عمل دائم ومستمر لرفع القضايا أمام المحاكم الشرعية الابتدائية في جميع أنحاء قطاع غزة، وبالتالي، لا توجد سلطة تنفيذية حاليًا تنفذ القرارات والأحكام التي تصدرها المحاكم الشرعية في القطاع".
"لا يوجد تنفيذ للأحكام حاليًا، ولكن من حصلت على حكم بالنفقة قبل الحرب، يستمر احتساب النفقة من تاريخ تقديم الطلب في المحكمة".
وحول وجود تنفيذ لأحكام النفقات في الوقت الراهن، أجابت: "لا يوجد تنفيذ للأحكام حاليًا، ولكن من حصلت على حكم بالنفقة قبل الحرب، يستمر احتساب النفقة من تاريخ تقديم الطلب في المحكمة"، مضيفة: "ويمكن تنفيذ الحكم فور استئناف الدوام الرسمي للمحاكم الشرعية في غزة".
وكانت الزوجة التي تعذر عليها تنفيذ حكم النفقة على الزوج قبل الإبادة، تتقدّم بطلبٍ إلى المحكمة للإذن بالصرف والاستدانة من صندوق المحكمة، حتى تتمكن من استيفاء تنفيذ النفقة من الزوج بالطريقة المعتادة، "لكن هذا غير متاح اليوم بسبب استمرار الحرب وطول أمدها، واستهداف أي منظومة عمل رسمية وقانونية".
