غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في منتصف شارع الوحدة غربي مدينة غزة، تتسابق "لين" مع شقيقتها الأصغر منها "جنات"؛ كي تحظى ببضع دقائقٍ من الترفيه فوق "النّطّيطة" الزرقاء، "الترامبولين".
بعد 6 ساعات من العمل تحت أشعة الشمس؛ لمساعدة والدهم في العمل والتعايش مع الواقع المر الذي فرضته الإبادة، تخبئ لين الشمباري، النازحة من مدينة بيت لاهيا شمالي مدينة غزة، مصروفها "شيكل واحد"، من أجل اللعب والقفز لمده لا تتجاوز 10 دقائق، برفقة أختها ورفاق النزوح في مخيم اليرموك غربي المدينة، بدلًا من شراء الحلوى؛ "حتى تغير جو الحرب" وفق قولها.
راحة مستقطعة
وعن إحساسها وقت اللعب تقول لين لـ"نوى": "أشعر وكأنني أطير على الترامبولين، وأحس بالراحة بعيدًا عن تعب النزوح".
ولفتت لين (11 عامًا) أن وقت اللعب المستقطع هو عبارة عن جائزة تحصدها بعد نهار كامل من العمل، يبدأ من العاشرة صباحًا وحتى الرابعة والنصف عصرًا، مع إخوانها وأخواتها الذين يتناوبون في العمل مع والدها.
تشعر لين بالضيق لسوء أوضاع عائلتها الاقتصادية، التي انتزعتها من مقاعد الدراسة من أجل العمل، وفي ذلك تقول: "لم أتخيل يومًا أن أعمل في عمري الصغير، وأن أُحرم المدرسة، لكن الحرب أجبرتنا؛ لأنه ما معنا نصرف على حالنا".

كانت لين تقضي وقتًا طويلًا قبل الحرب بين المطاعم والمتنزهات ومدن الملاهي، لا سيما في أوقات العيد والمناسبات، متمنيةً أن تعود إلى شمالي المدينة لتلتقي بعماتها، وتأكل المرطبات وسط ضحكاتهم.
أكلت الشمس ملامح لين كما ظهر على هندامها الشقاء وهو ما دفعها للقول بضحكةٍ ساخرة: "صرت فحمة بسبب الشغل"، مضيفةً "كان لوالدي محل ملابس ويعمل فيه لوحده بأريحية وما كنت أتعب، ولما يأتي العيد ألعب، وأتعيّد.. لكن العيد الماضي، كنت أعمل فقط!".
أما عن الطفل أحمد قدوم المقيم في عيادة الرمال، فبعد نزوحه من حي الشجاعية، يُخبرنا أنه يهرب من واقع مراكز الإيواء إلى الترامبولين، مضيفًا "الجو العام كئيب؛ لأنه كل أصحابي وأولاد عمي ليسوا معي".
"لا أتمكن من اللعب إلا قرابة العصر، فأنا مشغول بتوفير مياه الاستخدام، وأقف لساعات طويلة في طوابير الانتظار".
وأوضح قدوم أنه لا يتمكن من اللعب إلا قرابة عصر اليوم؛ لانشغاله في توفير مياه الاستخدام لساعات طويلة في طوابير المياه، متمنيًا أن يكبر ويشتري ألعابًا بأحجامٍ كبيرة للتفريغ عن الأطفال، وهو ما يدفعه للتطوع في تسلية وتنظيم أقرانه من أجل إسعادهم.
يحلمون بالسلام
شاركنا سلامة مشتهى صاحب لعبة "الترامبولين" الحديث، موضحًا لـ"نوى" محاولاته افتعال البهجة ورسم الفرحة على وجوه الأطفال من خلال اختياره للعمل في "الترامبولين" منذ بداية الحرب.
وبينما يلاحظ مشتهى ملامح الأطفال الذين يرغبون باللعب، لكنهم لا يملكون ثمن الترفيه، يفتح لهم المجال بالمجان دون إشعارهم بالحرج، وفي ذلك يقول: "لما يظهر على الطفل الذي لا يملك المال رغبته في اللعب أسمح له باللعب، كما أمنح الأطفال مزيدًا من الوقت؛ مراعاةً للوضع المادي".
"الحرب ومن قبلها الحصار انتزعا فرصة الترفيه من أطفال غزة، وحرماهم البهجة في مواسم الفرح والأعياد".
ولفت مشتهى إلى دور استمرار الحرب والحصار في انتزاع فرص الترفيه من الأطفال وحرمانهم من البهجة في مواسم الفرح والأعياد، مضيفًا: "بعض الصغار لا يعرفون معنى الحرب ولا معنى الدمار، لذلك أقوم بتنفيذ بعض الفعاليات منها رفع الأناشيد وإحضار الكرات داخل الترامبولين".
وحيدًا بلا رفاق
وفي حي الدرج شرقي مدينة غزة، يقف يحيى أبو شعبان لتنظيم الأطفال أمام لعبة "الترامبولين" خاصته. يُشغل مكبر الصوت لإعلاء الأهازيج تارة، وتارةً يشارك الأطفال اللعب خلال عمله الذي يبدأ منذ الساعات الأولى للصباح وحتى مغيب الشمس.

كان يحيى يقضي ساعات طويلة مع رفاقه في اللعب وحفظ القرآن والأنشطة الرياضية بعد إتمام واجبات الدراسة، فيما يفتقد في ظل الإبادة الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، لا سيما ذكريات الفسح والأنشطة اللامنهجية، وواجب الزيارات الذي انتزعته الحرب باستشهاد أخواله وأبنائهم وبناتهم، وفقده لمنزل الجد، وعدد كبير من أفراد العائلة، ليُمسي وحيدًا بلا رفاق، ولا يتوق إلا لاجتماعٍ واحد أو نزهةٍ أخيرة مع العائلة بلا نقصان.
