(50) لكيلو "البندورة".. خضروات بأسعار "فلكية" في أسواق غزة!
تاريخ النشر : 2025-04-29 17:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد جولةٍ طويلةٍ في شوارع مدينة غزة، لم تجد السيدة أم أشرف صالح (55عامًا) خضراواتٍ تستطيع من خلالها سدّ حاجة عائلتها لصنع طبقٍ من السلطة تضيفه إلى مائدتها الفقيرة بأي نوعٍ من المواد الغذائية المفيدة.

تقول السيدة لـ"نوى": "الخضراوات شحيحة جدًا، ومرتفعة الثمن، إلى حدٍ يجعلني أتراجع تمامًا عن شرائها".

وتتابع: "هل تصدّقون أن ثمن كيلو البندورة وصل إلى 45 شيكلًا، وحين انخفض، وصل إلى 20؟ حتى الخيار ارتفع إلى 35 شيكلًا للكيلو، وانخفض إلى 20، هذه خضراوات كانت قبل الحرب لا يتجاوز سعر الكيلو الواحد منها اثنان من الشواقل، الآن أصبح سعرها مستحيلًا بالنسبة للعائلات".

"أخجل حين يسألني الناس عن سعر كيلو البندورة وأجيب أنها بـ 28 شيكلًا، المبلغ مرتفع، ولكنني أشتريها أيضًا بثمن مرتفع وأحقق القليل من الربح".

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، ظهرت أزمة ارتفاع أسعار الخضراوات، حتى وصل سعر المتوفر منها كالخيار والبندورة والبصل والفلفل الأخضر والكوسا إلى مبالغ لا يمكن للمواطنين توفيرها.

ويقول أحمد حمد، وهو بائع خضار على إحدى البسطات بمدينة غزة: "أسعار الخضار مرتفعة بالفعل، رغم أنها خلال التهدئة شهدت انخفاضًا جعل بمقدور أغلب المواطنين شراءها".

ويكمل: "أخجل حين يسألني الناس عن سعر كيلو البندورة وأجيب أنها بـ 28 شيكلًا، المبلغ مرتفع، ولكنني أشتريها أيضًا بثمن مرتفع وأحقق القليل من الربح".

ويوضح حمد أن مدينة غزة والشمال لا يتوفّر فيها أي نوعٍ من الخضار، فكلها يجلبها التجّار من دير البلح وخانيونس، بنقلها عبر العربات التي تجرها الدواب، أو التكاتك، "وإن ارتفاع تكلفة النقل تزيد أسعار الخضار، بالتالي قد يكون سعرها أقلّ نسبيًا في الوسط والجنوب".

المزارع عيسى الأسطل، من مدينة خانيونس، يعزو أزمة الخضار في قطاع غزة، إلى جملة أسباب أولها تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمعظم الأراضي الزراعية، وتقليص مساحة الأراضي المزروعة بالخضار حتى انحصرت في مناطق مواصي خانيونس غربي المدينة، وقيزان النجار، وقيزان رشوان شرقي خانيونس، وبعض مناطق مدينة دير البلح والزوايدة.

ويوضح: "لم تعد المناطق الشرقية لقطاع غزة ضمن الأراضي الزراعية، وحتى دير البلح كانت أغلب الزراعة فيها بالمناطق الشرقية، وليس في غربها الذي يتميز بالكثافة السكانية".

وأضاف: "ارتفاع تكلفة الزراعة أيضًا كانت عاملًا ثانيًا، مثلًا ارتفع سعر السماد العضوي من 1500 إلى 12 ألف و17 ألف شيكل، ومواد التعقيم (القندوز) من ألف إلى 3000 شيكل، والتعقيم من 200 شيكل للكيس إلى 1500 شيكل، والدواء من 100 شيكل إلى ألف".

كان الأسطل يمتلك خمس دونمات من الحمامات المزروعة بالخضار، شرقي مدينة خانيونس، لكن الاحتلال الإسرائيلي دمّرها بالكامل فلم يعد قادرًا على إعادة زراعتها مع ارتفاع تكلفة الزراعة والحاجة لطاقة بديلة ليس بإمكانه توفيرها.

يكمل: "أنا أيضًا تاجر خضار، وأعمل حاليًا في تحميل الخضراوات، وتكون مرتفعة الثمن بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج ونقلها إلى أصحاب البسطات. هم مضطرون لتوفيرها حتى ولو بسعرٍ مرتفع".

"الجمعيات التي تشتري الخضار لعمل الطرود، أحد أسباب ارتفاع الأسعار كونها لا تعاني مشكلة في الدفع".

وأكد الأسطل وجود جمعيات حاولت مساعدة المزارعين، "لكنها محدودة وغير مجدية، فما يعانيه القطاع الزراعي بحاجة إلى تدخل دول وليس مؤسسات، ويحتاج إلى مدّة طويلة.

من جانبه، يقول محمد الأسطل، رئيس جمعية "خانيونس" الزراعية: "إن استهداف القطاع الزراعي تسبب في تقليص مساحة الأراضي الزراعية وشحّ الخضار، حيث اختفت أصناف من السوق كما اختفت الفواكه"، مضيفًا: "الجمعيات التي تشتري الخضار لعمل الطرود، كانت أحد أسباب ارتفاع الأسعار كونها لا تعاني مشكلة في الدفع".

وأضاف: "تكلفة نقل الخضار من وسط وجنوبي قطاع غزة إلى مدينة غزة والشمال، كان سببًا آخرًا في زيادة الأسعار، إضافة إلى مدخلات الإنتاج سواء المتعلقة بتعقيم الأرض وتوفير السماد وحتى البذور التي أصبحت مرتفعة الثمن بشكلٍ كبير، وليست ذات جودة عالية أيضًا"، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار دفع الناس للعزوف عن الشراء، وهو ما جعل التجار يسعون لتخفيض السعر في بعض الأحيان.

"أغلب الأراضي الزراعية حاليًا موجودة في منطقة مواصي خانيونس، أسعار الطاقة البديلة والسولار مرتفعة جدًا، ولكن بعض المزارعين تمكنوا من توفير ألواح طاقة ساعدتهم نسبيًا".

وحول مدخلات عملية الزراعة، شرح الأسطل بأن الدونم الواحد كان سابقًا يكلف من 5000 إلى 7000 شيكلًا ليكون جاهزًا للزراعة، وهذا يشمل التسميد والنبات والتجهيز الأولى، معقبًا: "الآن علينا أن نحذف الشيكل ونضع الدولار، يعني أن الدونم الواحد بات يتكلف 7000 دولار وقد يصل إلى 10 آلاف، وهذه مبالغ لا يستطيع المزارع تحمّلها".

وحول سبب فقدان أنواع من الخضراوات من السوق مثل البطاطا التي اختفت تمامًا، يقول الأسطل: "قبل الحرب كانت الزراعة المتأخرة تتم من خلال جلب قساوي من هولندا وزراعتها، خاصة البطاطا، لكن الآن هذا غير متوفر بسبب إغلاق المعابر".

وقال: "أغلب الأراضي الزراعية حاليًا موجودة في منطقة مواصي خانيونس، أسعار الطاقة البديلة والسولار مرتفعة جدًا، ولكن بعض المزارعين تمكنوا من توفير ألواح طاقة شمسية ساعدت نسبيًا على وجود كميات قليلة من الخضار".

الناطق باسم وزارة الزراعة محمد أبو عودة، أكد بدوره أن الاحتلال دمّر أغلب الأراضي الزراعية في قطاع غزة، شارحًا ذلك بقوله: "كان لدينا 85 ألف دونم من الأراضي الزراعية المفتوحة والدفيئات، وكنا نحقق اكتفاءً ذاتيًا بنسبة 115%، أي أن هناك خضراوات من قطاع غزة يتم تصديرها إلى الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948م، والأردن وبعض دول الجوار".

"مع تدمير الاحتلال الممنهج للأراضي الزراعية، فقد قطاع غزة ما نسبته 80-85% من الأراضي الزراعية والدفيئات".

مع تدمير الاحتلال الممنهج للأراضي الزراعية، فقد قطاع غزة ما نسبته 80-85% من الأراضي الزراعية والدفيئات، كما يوضح أبو عودة، إضافة إلى وضع الاحتلال يده على أراضٍ زراعية ضمن ما صنّفها بالمنطقة العازلة، والمعروف أن معظم الأراضي الزراعية حدودية تتواجد شمالي القطاع وشرقه وجنوبه.

وتابع: "انحصرت الأراضي الزراعية في المناطق الغربية لقطاع غزة، وهي تعاني من عدّة إشكاليات أبرزها الملوحة وانتشار مخيمات النازحين فيها. نحن نتحدث عن 15% فقط من الأراضي الممكن زراعتها، وبالتالي أصبح الإنتاج بالحد الأدنى من حيث الكمية".

يضاف إلى ذلك كما يشرح أبو عودة، عدم وجود مدخلات إنتاج جديدة والاعتماد على ما هو موجود من قبل الحرب، خاصة البذور والأسمدة، التي أصبحت أقلّ كفاءة، ومرتفعة السعر، "فالسوق عرض وطلب، ومع إغلاق المعابر أصبحت الأسعار خيالية".