قرى وبلدات على خط المواجهة.. بلا خدمات صحية!
تاريخ النشر : 2025-04-28 13:46

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في التاسع والعشرين من شباط/ فبراير 2024م، افتتحت وزيرة الصحة السابقة مي كيلة مركزًا للطوارئ في مشروع المستشفى المقام ببلدة سلواد، بعد نحو 30 عامًا من بنائه وانتظار أهالي منطقة شرقي رام الله أن تجهزه السلطة بالأجهزة الطبية اللازمة.

هذه الخطوة أيقظت أهالي سلواد من الحلم الوردي الذي بنوه في مخيلاتهم خلال السنوات الماضية، بأن يكون لديهم مستشفى كبيرة مجهزة تخدم شرقي رام الله، وقضت على كافة الأصوات التي كانت تعلو مطالبةً بأبسط الحقوق الإنسانية: (العلاج)، بتحويل المكان إلى مجرد مركز طوارئ!

وليس مستشفى سلواد وحسب، فهذا حصل مع حلم مستشفى عمر القاسم ببلدة عزون شرقي قلقيلية، ومستشفى ابن سينا في بلدة حوارة جنوبي نابلس، فيما تنتظر مستشفى أم حسن في قرية مجدل بني فاضل مصيرًا مشابهًا ربما، وكل تلك القصص تتقاطع في نقطةٍ أساسية، أنها أقيمت بأموال ومبادرة أهالي تلك القرى والبلدات التي تتعرض لهجمات المستوطنين المتكررة، ويفرض عليها جيش الاحتلال إغلاقات تفصلها عن امتدادها للمدن، حيث تكتظ المستشفيات الحكومية والخاصة بآلاف المرضى، وتعاني من نقص الأسرة.

بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، وما فرضه جيش الاحتلال من إغلاق شامل على الضفة الغربية، ومضاعفة في عدد الحواجز والبوابات العسكرية، حتى وصلت إلى نحو 900، عادت القضية الأكثر إلحاحًا إلى الواجهة: ضرورة إنشاء مستشفيات تقدم الخدمات الأساسية الطبية للقرى المحاصرة، وتحتوي على الأقل على: غرفة للعمليات، وغرفة للولادة.

 ما حقيقة حاجة تلك القرى للمستشفيات؟ ولماذا ترفض السلطة الفلسطينية إكمال تجهيزاتها وافتتاحها؟ التقرير التالي يجيب:

35 ألف نسمة تحاصرهم "بوابة"!

صبيحة السابع من أكتوبر، أغلق جيش الاحتلال المدخل الشمالي لبلدة سلواد شرقي رام الله، وأصبح مدخلها الغربي، الطريق الواحد الواصل بين قرى الشرق والمدينة، وبين مدينتي رام الله وأريحا.

إجراءات الاحتلال لم تتوقف هنا، فبعد نحو ثلاثة شهور أقام الجيش بوابة حديدية على المدخل الغربي، وبذلك، حاصر منطقة شرقي رام الله التي يعيش فيها نحو 35 ألف نسمة، وتفتقد وجود أي مستشفى أو مركز طبي متقدم، حتى بات وصول الحالة المرضية منها إلى مستشفيات المدينة نحو 35 إلى 40 دقيقة، هذا في حال كان المدخل الوحيد مفتوحًا.

وأمام الحاجة الملحة للمنطقة، وبعد ضغوطات من مؤسسات المجتمع المدني، وافقت وزارة الصحة على افتتاح مركزٍ للطوارئ يعمل على مدار الساعة في مبنى مستشفى بلدة سلواد، الذي أقيم بمساهمات من أهالي البلدة في التسعينات.

وكان الأهالي استكملوا تأهيل مركز الطوارئ وتجهيزه بدءًا من بلدية سلواد وأهالي البلدة، بالإضافة إلى مساهمات من المجالس القروية المحيطة، وعدد من المتبرعين، وقد وصلت تكلفة تجهيزه إلى نحو 500 ألف دولار، حسب رئيس بلدية سلواد رائد حامد.

رغم ذلك، جاءت وزيرة الصحة، وأزاحت ستارة افتتاحه، وتسلمت السلطة المبنى مجهزًا، وقد وقع على عاتقها مهمة توفير الكادر الطبي ودفع رواتبه والنفقات التشغيلية له.

"إن افتتاح مركزٍ للطوارئ ليس كافيًا، فما تحتاجه المنطقة التي تتعرض للحصار مع كل حدث، ليس أقل من مستشفى مجهز بغرف عمليات، وغرف ولادة، وغرف مبيت".

ويقول حامد لـ"نوى": "إن افتتاح مركزٍ للطوارئ ليس كافيًا، فما تحتاجه المنطقة التي تتعرض للحصار بكل انتفاضة وحدث، ليس أقل من مستشفى مجهز بغرف عمليات، وغرف ولادة، وغرف مبيت، وغيرها من الأساسيات".

ويضيف: "نسعى طوال الوقت لافتتاح المستشفى وتطويره تدريجيًا، وقد رفعنا مطالبات عدة للحكومة، منها توفير وحدة لغسيل الكلى، ولكن الجواب كان أن توفير وحدة غسيل كلى يستوجب توفير غرفة عمليات وغرفة عناية"، مشيرًا إلى أن الحصار المفروض على منطقة شرقي رام الله، ذات الكثافة السكانية العالية يجعل الحاجة للمستشفى ملحة "ونحن كمؤسسات مجتمع محلي، وأفراد، لدينا استعداد للمساهمة في استكمال تجهيز المستشفى". 

منذ الخمسينات!

نحو ساعة من الزمن تصل المدة التي يحتاجها المريض من قرية قصرة جنوبي نابلس، ليصل إلى إحدى مستشفيات المدينة، وذلك يربك الكثير من النساء الحوامل، ويدفعهن للتوجه إلى المستشفى قبل موعد ولادتهن، خوفًا على حياتهن وحياة أجنتهن، ما يراكم عليهن تكاليف مادية مضاعفة.

القرية المحاصرة بأربع مستوطنات، يشن منها المستوطنون الهجمات المتكررة على أهل القرية البالغ تعدادهم سبعة آلاف نسمة، في ظل إغلاق جيش الاحتلال مدخلها الرئيس في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ورغم واقعها المرير، تفتقر لأبسط الخدمات الطبية: خدمة الطوارئ، ما يشكل خطرًا كبيرًا على حياة المصابين برصاص الاحتلال والمستوطنين، أو على حياة المرضى والحالات الطارئة. 

وللقرية عيادة طبية واحدة، أُنشأت في الخمسينيات، وحسب رئيس مجلس قروي قصرة هاني عادل، فإن "العيادة تحتوي ذات الإمكانيات منذ إنشائها، ولم يجرِ عليها أي تطوير أو تحسين".

ويضيف: "الوصول إلى المستشفيات في المدن أصبح صعبًا، رغم ذلك فإن أقل ما يمكن توفيره في الريف هو عيادات طبية ومراكز صحية متقدمة". 

في عيادة قصرة التي يُشغّلها المجلس القروي، طبيب عام واحد يأتي ليوم أو ليومين خلال الأسبوع، ولمدة ساعتين فقط! "وبعد عناء، وإجراءات ترخيص صعبة، تمكّن المجلس القروي من تجهيز مختبر طبي في العيادة" وفق عادل، الذي تابع: "ما زالت عيادة قصرة بنفس النظام منذ تأسيسها عام 1957م حتى اليوم، وقد أوقفت السلطة حديثًا دفع راتب الطبيب العام، ما زاد الأمر تعقيدًا وسط تخوف من استمرار عدم دفعه، ومصير توفير طبيب عام في القرية". 

وبالإضافة لذلك، فلا يوجد في قصرة سيارة إسعاف أيضًا، ما اضطر المجلس القروي قبل عامين في ظل تصاعد هجمات المستوطنين، التنسيق مع سيارة إسعاف قرية قبلان للتواجد في قرية قصرة، مقابل أجرة شهرية بقيمة ألف شيقل يدفعها المجلس القروي، إضافة لتكلفة إضافية عند نقله أي مصاب برصاص جيش الاحتلال أو المستوطنين.

"لا نستطيع شراء سيارة إسعاف للقرية، كما أن تكلفة تشغيل سيارة الإسعاف يتراوح بين 20 و25 ألف شيقل شهريًا، وهو الأمر الذي لا نستطيع تكبد تكلفته". 

يزيد عادل: "لا نستطيع شراء سيارة إسعاف للقرية، كما أن تكلفة تشغيل سيارة الإسعاف يتراوح بين 20 و25 ألف شيقل شهريًا، وهو الأمر الذي لا نستطيع تكبد تكلفته". 

من جهةٍ ثانية، أصبحت حركة مركبات الإسعاف من جنوبي نابلس إلى المدينة محفوفةً بكثير من الخطر؛ بسبب تكرار استهداف المستوطنين مركبات الإسعاف بالحجارة وإطلاق النار، وعرقلة مرورها.

وفي العشرين من نيسان/ أبريل 2024م، بلغت هذه الاعتداءات ذروتها بإطلاق المستوطنين النار على سيارة إسعاف قريوت خلال إخلائها مصابين من هجوم المستوطنين على قرية الساوية جنوبي نابلس، ما أدى لاستشهاد المسعف محمد عوض الله موسى (50عامًا). 

اكتمل بناء مستشفى "أم حسن" عام 2021م، إلا أن "الصحة" لم تُشغله حتى الآن، رغم الحاجة الملحة لقرى جنوبي نابلس، ووجود قرار رئاسي، وآخر من مجلس الوزراء بتشغيله.

انعدام الخدمات الطبية الكافية في قرية قصرة، هو ذاته في باقي قرى جنوبي نابلس، التي تعاني كلها أيضًا من هجمات المستوطنين اليومية، والحصار بالمستوطنات، إضافة لإغلاقها من قبل جيش الاحتلال بـ 10 بوابات عسكرية.

وأمام هذا الواقع الصعب، بادرت مقبولة أبو شهاب عام 2016م، ببناء مستشفى "أم حسن" في قرية مجدل بني فاضل، لتخدم قرى جنوبي نابلس، ذلك بتكلفة وصلت لنحو 25 مليون شيقل. 

اكتمل بناء مستشفى "أم حسن" بحلول عام 2021م، إلا أن وزارة الصحة لم تُشغل المستشفى حتى الآن، رغم الحاجة الملحة لقرى جنوبي نابلس، ورغم وجود قرار رئاسي وقرار آخر من مجلس الوزراء بتشغيل المستشفى وتوفير كادر طبي يعمل فيها. 

من مستشفى إلى مركز للطوارئ

من جنوبي نابلس إلى شرقي قلقيلية، ذات الحال، قرى تحاصرها المستوطنات والشوارع الاستيطانية، ويفرض عليها جيش الاحتلال إغلاقًا مضاعفًا بالبوابات العسكرية.

لقد أصبح افتتاح مستشفى "الشهيد عمر القاسم" في بلدة عزون حاجة ملحة وسط هذه الظروف كلها، إلا أنه بعد السابع من أكتوبر ،وأمام ضغوطات المجالس القروية والناس، وافقت السلطة على تشغيله كمركز للطوارئ فقط. 

في عام 2005م بدأ بناء المستشفى من قبل بلدية عزون واتحاد لجان الرعاية الصحية، وعدد من المتبرعين، مستجيبين لضرورة وجود مستشفى في منطقة شرقي قلقيلية، التي تضم 15 قرية يبلغ تعدادها نحو 30 ألف نسمة. ورغم إتمام البناء، إلا أن المستشفى تحول إلى مبنى للأشباح، مغلقة أبوابه حتى عام 2020م، إذ افتتحته السلطة كمركز لعلاج مصابي كورونا، قبل أن تغلقه مجددًا. 

وقد شهدت عزون احتجاجات عديدة من قبل الأهالي للمطالبة بفتح وتطوير مستشفى عمر القاسم، وفتح مركز للطوارئ على مدار الساعة.

أبرز تلك الاحتجاجات جاءت إثر استشهاد الشاب أمير مجد (30 عامًا)، الذي ارتقى متأثرًا بجراحه لعدم وجود مركز طوارئ يقدم الإسعافات له في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022م.

"إغلاق عزون والقرى المحيطة، دفع لإعادة افتتاح المستشفى كمركز طوارئ، تتكفل السلطة بتشغيل مناوبتين فيه، بينما تتكفل بلدية عزون والمجالس القروية المحيطة بالثالثة".

ويبين مدير بلدية عزون ماجد عدوان، أن ما فرضه الاحتلال من إغلاق على عزون والقرى المحيطة منذ السابع من تشرين أول/ أكتوبر، دفع لإعادة افتتاح المستشفى ولكن كمركزٍ للطوارئ فقط، تتكفل السلطة بتشغيل مناوبتين للكوادر الطبية فيه، فيما تتكفل بلدية عزون والمجالس القروية المحيطة بتشغل المناوبة الثالثة. 

يقول عدوان: "صمم المستشفى ليحتوي على قسمين أساسين: ولادة، وطوارئ.. ولكن إمكانيات تشغيله كمركز ولادة صعب إذ يحتاج لتكاليف عالية ولم تستطع السلطة تشغيله، لذلك تم الاكتفاء بتشغيل قسم الطوارئ فقط فيه".

 وأشار إلى أنه يعمل في القسم طبيب وممرض في كل مناوبة، ويوجد فيه مختبر وغرفة للأشعة. ورغم ذلك، ما زالت المطالبة ذاتها موجودة، بضرورة تشغيل المبنى كمستشفى يحتوي على غرفة عمليات وغرف مبيت للمرضى. 

الوزارة.. بحاجة لميزانيات

عدم تشغيل السلطة بعض المستشفيات التي بناها المجتمع المحلي بمؤسساته وأفراده، وتحويل جزء آخر إلى مراكز للطوارئ البدائية، ما زال يفاقم معاناة مئات آلاف الفلسطينيين الذين يشتد الخناق عليهم وحصارهم يومًا بعد يوم.

وما زالت الحاجة لمستشفيات في الريف الفلسطيني ملحة وأساسية، في وقتٍ تنظر السلطة إليها فيها كونها "كماليات" لا حاجة لها الآن، وتؤجل باستمرار افتتاحها وتشغيلها، رغم تكرار تسجيل وفيات بين مرضى ومصابين توفوا نتيجة عدم وجود مستشفيات قريبة، وتأخر وصولهم إلى المستشفيات في المدن نتيجة حواجز الاحتلال. 

الصحة: "نعاني مشكلة في التوظيف والكوادر الطبية. كل مستشفى يحتاج بالحد الأدنى إلى 160 كادر طبي، ولا توجد ميزانية مرصودة في ظل العجز المالي الذي تعاني منه الوزارة".

وأمام تفاقم حصار جيش الاحتلال للضفة، وتقطيعها المضاعف، هل تعاود السلطة النظر بضرورة افتتاح وتشغيل المستشفيات الموجودة أصلًا، ولا تحتاج إلا قرارًا موقعًا؟ أم ستبقى تنتظر وفاة المزيد من الفلسطينيين على حواجز الاحتلال وفي الطرقات، وقد حرموا من أبسط حقوقهم: العلاج وإنقاذ حياتهم! 

هذا التساؤل حملته "نوى" إلى وزارة الصحة الفلسطينية، حيث قابلت مدير عام الإدارة العامة للطوارئ ورئيس إدارة الأزمات الصحية د. مصطفى القواسمي، الذي قال: "لدينا حاليًا مشكلة في التوظيف والكوادر الطبية. كل مستشفى بالحد الأدنى يحتاج إلى 160 كادر طبي لتشغيله، ولا توجد ميزانية مرصودة في ظل الأزمة المالية والعجز الذي تعاني منه الوزارة"، مردفًا: "لدينا نقص في الكوادر الطبية داخل أقسام المستشفيات، ومن يُحال إلى التقاعد لا يتم توظيف من يسد مكانه".