"قصر الباشا".. "تاريخٌ" دمّره صاروخٌ بـ"لحظة"!
تاريخ النشر : 2025-04-27 13:25
قصر الباشا بعد تدميره من قبل طائرات الاحتلال في ديسمبر 2023م

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على امتداد أكثر من 900 عامٍ، بقي "قصر الباشا"، الواقع في حي الدرج بمدينة غزة، رمزًا تاريخيًا عريقًا لحقبٍ تاريخية عديدة، بدأت بالمملوكية، ومرّت بالعثمانية، فالبريطانية، وصولًا إلى عهد ما قبل "الإبادة".

ذلك المتحف، الذي ضم بين جنباته المئات من القطع التاريخية النادرة، كان القصر الوحيد المتبقي في الجزء القديم من المدينة، وكان مركزًا للحكم في كل الحقب، حتى حوله البريطانيون إلى مركزٍ للتوقيف وفق مديرته نريمان خلّة.

ظلت حجارة ذلك القصر، تشير إلى معالم التاريخ الحضاري والإسلامي طوال سنوات عمره التسعمئة، لكن ذلك لم يرق للاحتلال الإسرائيلي، الذي قرر شن حربٍ ضروس على الجذور الفلسطينية في غزة، بدأت يوم السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، ولم تنتهِ بعد.

في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2023م، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليةً عسكرية في المناطق الشرقية لمدينة غزة، فطالت "غزة القديمة" التي تضم قرابة 280 مبنىً أثريًا، يرجع تواجدها إلى عصر الدولتين المملوكية والعثمانية. من ضمن المباني الأثرية التي دُمرت حمام السمرة وجزء كبير من قصر الباشا.

وتحكي خلّة عن القصر: "كانت مساعي وزارة السياحة والآثار دائمة التركيز على إبقاء هذا الصرح شامخًا، حتى أنها أعادت ترميمه مرات عدة منذ عام 2000، حتى اندلعت الحرب".

كان القصر متحفاً أثرياً يضم مئات القطع النادرة، ووجهة للزوار والباحثين والطلبة، ومقصدًا سياحيًا يعزز الهوية الثقافية والوطنية لسكان غزة. تذكر خلّة أن عدد القطع الأثرية الموجودة في المتحف تتراوح بين 500 و700 قطعة، لكن الساحة الخارجية له كانت تضم قطعًا حجريةً أيضًا.

وتقول: "كان يضم مقتنيات متنوعة مثل الفخار والزجاج والقطع النقدية التي تعود لمختلف العصور الإسلامية، إضافة إلى مخطوطة للقرآن الكريم تعود للفترة العثمانية، وكانت توضع للأمراء والسلاطين فقط".

وتُقدر خلّة أن عدد الزوار للقصر في كثير من الأحيان كان يصل إلى 30 ألف شخص سنويًا، "بينها رحلات مدرسية، ورحلات خاصة بالمؤسسات، عدا عن الزوار القادمين لزيارة عائلاتهم في قطاع غزة من عدة دول عربية وأوروبية".

"الاحتلال كان يسعى خلال عمليته العسكرية إلى طمس الهوية الفلسطينية لخلق جيل قادم يجهل حضارته وتاريخه، لذلك وضع هدم وتدمير الآثار التاريخية هدفًا رئيسًا خلال حرب الإبادة".

"في لحظة، انهار كل شيء". تُخبرنا بصوتٍ يمتزج بالقهر، وتزيد: "لم يتبقَ من القصر إلا جزء قليل من المبنى الجنوبي، وحائط صغير من الجهة الشمالية، وما دون ذلك سويّ بالأرض، فيما أكمّل الاحتلال تجريف ما تبقى منه خلال اجتياحه للمناطق الشرقية لمدينة غزة في ديسمبر 2023م".

وتواصل حديثها بحرقة: "الاحتلال كان يسعى خلال عمليته العسكرية إلى طمس الهوية الفلسطينية لخلق جيل قادم يجهل حضارته وتاريخه، لذلك وضع هدم وتدمير الآثار التاريخية هدفًا رئيسًا خلال حرب الإبادة".

ولأن تاريخ فلسطين غاليًا على قلوب من يعرف قيمته، بدأت وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع مركز التراث الثقافي في بيت لحم بالضفة الغربية ومؤسسة "ألفا"، على إجراء -ما أسمتهُ خلّة- "إسعاف أولي" للمتحف، من خلال جمع الحجارة الأثرية المتبقية منه، في محاولةٍ لإعادة ترميمه.

وتزيد: "نقوم حاليًا بعملية فرز للحجارة الأثرية عن الأخرى، من أجل المباشرة في إعادة ترميم القصر عند وقف حرب الإبادة".

وزارة السياحة والآثار في غزة بدورها، أكدت أن القصف كان متعمدًا، وأنه استهدف محو الذاكرة الثقافية والتاريخية للشعب الفلسطيني.

وبرغم الدمار الكبير للمكان، يبقى قصر الباشا حيًا في ذاكرة أهالي غزة، وذكرى أجيال تربت على تاريخه. وفي ظل غياب العدالة الدولية، تبقى صور القصر المدمَّر شاهدة على حجم الخسارة التي لا تعوَّض، وعلى شعبٍ متمسكٍ بحقه في الأرض والتاريخ والهوية.

وكانت منظمات ثقافية وأثرية عالمية طالبت بفتح تحقيق في استهداف المواقع الأثرية بغزة، باعتبارها جرائم حرب بحسب اتفاقية "لاهاي"، التي تحظر استهداف المواقع الثقافية أثناء النزاعات.