غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"في تلك الليلة، كلُّ ما فكرت به: كيف سنعيش هنا؟"، تقول أم محمد ملحم لـ"نوى"، بينما تجول بناظريها بين القبور المدمرة في مقبرة بن مروان في حي الشجاعية، شرقي غزة.
كانت أم محمد، تعيش في شقةٍ سكنية بحي النصر، غربي مدينة غزة، برفقة أسرتها المكونة من سبعة أفراد، قبل أن تضطرها الحرب للسكن في مقبرة، بين الجثث والموتى، والعظام المتناثرة من القبور التي بعثر ملامحها القصف.
"بدأنا بالبحث عن مكانٍ للمعيشة. كل الإيجارات غالية، والأماكن محدودة، والنزوح يجري في كل مكان! قررنا نصب خيمة وهذا كان الحل المنطقي بالنسبة لإمكانياتنا".
مع مئات الآلاف من المواطنين، غادرت ملحم برفقة عائلتها مدينة غزة نحو الجنوب بتاريخ الثالث عشر من أكتوبر 2023م، بعد إلقاء الاحتلال مناشير تطلب من المواطنين إخلاء منازلهم شمالًا تمهيدًا لقصفها. "وهناك عشنا تفاصيل النزوح المرة. معيشة ذل وقهر وتشرد" تضيف.
بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار "الهش" في يناير الماضي، ومع بدء الشهر التالي (فبراير)، عادت السيدة إلى بيتها، يحدوها الأمل بوجوده على حاله، أو على الأقل مدمرًا جزئيًا، لكنها صدمت به وقد سوي بالأرض.
تخبرنا: "بدأنا بالبحث عن مكانٍ للمعيشة. كل الإيجارات غالية، والأماكن محدودة، والنزوح يجري في كل مكان! قررنا نصب خيمة وهذا كان الحل المنطقي بالنسبة لإمكانياتنا".

وتتابع: "حاول زوجي وأبنائي البحث عن مكان لنصب الخيمة، لكن جميع الأماكن كانت مكتظة بالخيام، وبعضها بات مكبًا للنفايات. كان الملاذ الأخير هو المقبرة، وكنا بحاجة لمساحة تسعنا جميعًا، حتى ولو بين الأموات".
وتبيّن أم محمد أن نصف المقبرة مدمر، "وقد سرق منها الاحتلال خلال الاجتياح البري رفات موتى"، مضيفًة: "ابني لملم من البيوت المدمرة بعض القماش والحديد. صنعنا منها خيمة، وها نحن ذا لا مكان آخر يحتوينا".
أثناء الحفر لتثبيت الخيمة، عثر حفيدها عزمي على عظمة فصرخت! أخذها زوجها منه، وأمسكها برفق، ثم ألقى بها في حفرةٍ أنشأها خصيصًا أمام باب الخيمة، ليجمع فيها العظام والجماجم التي يتعثر بها خلال سيره في هذا المكان.
وخلال الحرب على غزة استهدف الاحتلال العديد من المقابر في المدينة وفي كافة مناطق القطاع، وتعمد تجريف العديد منها، ونبش قبورها، والتنكيل بالجثث، وسرقة الجثامين، في مخالفةٍ للقوانين الدولية والإنسانية، والشرائع الدينية كافة.
وعن أول ليلة للعائلة في المقبرة، تخبرنا أم محمد: "لم ننم جميعًا كنا مرعوبين وخائفين، أول مرةٍ نعيش هذا الشعور، لكننا كنا مضطرين للتأقلم فلا خيار آخر أمامنا".
وتزيد: "كنا نسأل بعضنا كيف لإنسان عاقل أن يعيش في مقبرة؟ خشينا أن نصاب بهوس الأصوات أو حتى أن نتعرض للخطر بسبب قصفٍ متعمد للمقبرة".
تعيش عائلة أم محمد ألم الفقد بقوة. لقد استشهد أحد أبنائها وزوج إحدى بناتها، وهي أم لطفل يعيش معها الآن. وتتابع: "أخشى على حياة حفيدي من الكلاب الضالة والحشرات السامة والأفاعي التي تزورنا بشكل مستمر".
"نخاف أن نستيقظ ليلًا بسبب العتمة والرعب، ولا نقبل بإشعال الشموع وقت النوم خوفًا من اشتعال الخيمة. نتحسس الطريق والأشياء حتى نجدها".
وتُكمل: "نخاف أن نستيقظ ليلًا بسبب العتمة والرعب، ولا نقبل بإشعال الشموع وقت النوم خوفًا من اشتعال الخيمة. نتحسس الطريق والأشياء حتى نجدها".
وتناشد أم محمد الجهات المسؤولة بأن ينظروا لعائلتها بعين الرحمة، وأن يوفروا لها مستلزمات الحياة الأساسية، مشيرةً إلى معاناةٍ كبيرة تعيشها العائلة من أجل العثور على المياه والتنقل لأمتار بعيدة. تعقب: "لا يوجد أي مساعدات ولا طعام ولا شراب، والغلاء الفاحش في الأسعار يجعلنا نكتفي بالنظر للطعام دون جلبه".
وليست عائلة ملحم وحدها التي قررت العيش في المقبرة، بل غيرها العديد من العائلات التي ضاقت بها مراكز الإيواء والمخيمات المنظمة، وحتى شوارع المدينة التي طالها القصف والدمار.
ومن الجدير ذكره، أن الاحتلال الإسرائيلي، ارتكب جرائم بشعة بحق المقابر وجثامين الموتى والشهداء فيها، عندما استهدفها بالقصف والتجريف، وتخريب القبور، وبعثرة العظام، والتنكيل بالموتى وسرقة رفات بعضهم.
ويُذكر منها: مقبرة باب البحر مقابل المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، ومقبرة التوينسي بحي الشجاعية، ومقبرة البطش في حي التفاح، ومقبرة بن مروان بحي الدرج، ومقبرة الشيخ رضوان، والعشرات من المقابر الأخرى العامة والخاصة.
