"البتر" يؤجل فرحة "عروس" كانت تبحث عن فستان زفاف!
تاريخ النشر : 2025-04-16 18:31

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"بدلًا من أن أبحث عن فستانٍ أبيض لزفافي، ها أنا أبحث عن طرف صناعي" تقول صابرين الخيري (27 عامًا) لـ"نوى"، محاولةً مواراة دموعها.

صابرين، خريجة الشريعة والقانون من الجامعة الإسلامية، كانت تستعد لحفل زفافها في أول أسبوع بعد عيد الفطر. كانت قصة حب دافئة نضجت في زمن الحرب، وتكللت بخطوبة في تموز/ يوليو 2024م.

ورغم الأوضاع الصعبة في غزة، تمسكت صابرين بخيوط الأمل، وبدأت التحضير لحفلٍ يليق بالفرح المؤجل، مؤمنة بأن الفرح حق، حتى ولو تحت النار في غزة.

لكن الاحتلال الإسرائيلي كان له رأيٌ آخر، فلم يتركها سالمةً من آثار الحرب، التي عايشت تفاصيلها نازحةً لمراتٍ عدة، قبل أن تعود إلى بيتها في شمالي القطاع، بعد إعلان الهدنة في يناير 2025م.

"العودة لم تكن سهلة" تقول، وتزيد: "مشينا أكثر من ثلاث ساعات من الجنوب إلى الشمال. كنت أظن أن الوصول سيكون نهاية التعب، لكن الدمار الذي رأيته في حيّنا كان أقسى من النزوح بحد ذاته".

رغم الخراب، أصرت على إقامة حفلٍ بسيط، بدأت بالتخطيط للفرح، وأنهت معظم التحضيرات مع والدتها، ولم يتبقَ سوى فستان الزفاف، الذي أجّلت استئجاره حتى اقتراب الموعد.

"لا تقطعوها، ساقي جميلة، اتركوها أرجوكم!" تلك الصرخة لم تغادر غرفة العمليات، بل خرجت مع الأطباء إلى عائلتها، التي قررت رغم الألم دفع الأطباء إلى فعل ما يلزم لإنقاذ حياتها.

في إحدى ليالي رمضان، خلدت صابرين وعائلتها للنوم على أمل استمرار الهدنة. بدت الليلة ساكنةً على غير العادة، لكن طائرة حربية إسرائيلية خرقت السكون بصاروخ فجّر كل الأمل في لحظة، وحوّل البيت إلى ركام، والأحلام إلى كوابيس.

تتابع: "استيقظت على مشهد النار والدخان، وشعرت بشيء غريب في جسدي. صرخت، لم أكن أشعر بقدمي اليمنى".

نُقلت صابرين إلى المستشفى وهي تنزف وجعًا وخوفًا، وما أن فحص الأطباء إصابتها حتى أخبروها بأن قدمها اليمنى تضررت بشدة، ولا سبيل لإنقاذها. تزيد بصوتٍ يحترق وجعًا: "قالوا يجب بترها على الفور".

لم تصدق ما سمعت، وبدأت تصرخ وهي تتوسل: "لا تقطعوها، ساقي جميلة، اتركوها أرجوكم!" تلك الصرخة لم تغادر غرفة العمليات، بل خرجت مع الأطباء إلى عائلتها، التي قررت رغم الألم دفع الأطباء إلى فعل ما يلزم لإنقاذ حياتها.

خضعت صابرين لعملية جراحية، خرجت منها بجسد يحمل ندبةً سترافقه إلى الأبد، وروح مثقلة بانكسارٍ لم تعرفه من قبل. "لم أستوعب.. كنت أحلم أن أرقص بفستاني الأبيض، لا أن أتعلم كيف أعيش بساق واحدة".

لم تكن الخسارة وحدها. في القصف ذاته، استشهدت ابنة عمها مريم (9 سنوات)، وأصيبت قريبتاها جود وورد.

 ومع كل هذا، كان في حياة صابرين ما يمنعها من الانهيار الكامل. عائلتها كانت لها الدرع الأول، تغمرها بالدعاء والحنان، وترافقها خطوة بخطوة في رحلة الألم.

تستدرك: "لكن تامر الديب، خطيبي، كان الضوء الأوضح. لم يتخلّ عني لحظة، حضوره كان مرممًا لكل انكسار داخلي".

كان يمسك بيدها طوال الوقت ويهمس في أذنها: "نحن نكمل بعضنا البعض، وأنتِ لا تزالين الأجمل. قدمك لن تنقص منك شيئًا، ولا شيء يمكنه أن ينقص حبي لك".

"هو من ساعدني على التحمل، وكان يسهر بجانبي في المستشفى، ويشجعني باستمرار. كلما رآني أبتسم، كان يعدُّ ذلك انتصارًا".

وتضيف: "هو من ساعدني على التحمل، وكان يسهر بجانبي في المستشفى، ويشجعني باستمرار. كلما رآني أبتسم، كان يعدُّ ذلك انتصارًا".

في حضوره، استطاعت أن تبكي وتضحك في الوقت نفسه، وأن تعيد تعريف القوة والطاقة الإيجابية من جديد.

صابرين تحاول اليوم التأقلم مع واقعها الجديد. تقول: "أحاول أن أبدو قوية، لكن كلما نظرت إلى قدمي المبتورة شعرت أن الاحتلال سرق كل شيء.. فرحتي، حلمي، شبابي".

تعاني من ألم جسدي ونفسي، ولا تزال تبحث عن مركز لتركيب طرف صناعي، وهي تعلم أن رحلة العلاج ستكون طويلة ومكلفة. "لكن لا خيار لي سوى الصمود" تستكمل.

"نحن لسنا أرقامًا، يا عالم. من حقنا أن نفرح، ومن حقنا أن نعيش مثل باقي الناس".

ترفض صابرين أن تتحول إلى مجرد رقم. تؤكد بانفعال: "نحن لسنا أرقامًا، يا عالم. من حقنا أن نفرح، ومن حقنا أن نعيش مثل باقي الناس".

ورغم كل ما مرّت به، ما زالت صابرين تحلم بالسفر خارج غزة للسياحة، ومواصلة دراستها في مكانٍ آمن يليق بأحلامها. تقول: "أريد أن أروي قصتي للعالم، لا كضحية، بل كامرأة قاومت الحرب بالأمل".