غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
مع استمرار الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر، يواجه سكان قطاع غزة أزمة اقتصادية خانقة، أدت إلى ارتفاع حاد في الأسعار ونقص شديد في السلع الأساسية، ما دفع العديد من المواطنين إلى اللجوء إلى السوق السوداء؛ لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وأصبحت هذه السوق تنمو يومًا بعد يوم، لتتحول إلى خيار شبه وحيد أمام السكان في ظل تردي الأوضاع المعيشية.
يقول سائق الأجرة، إسماعيل العمصي: "اضطررت خلال الحرب إلى تحويل سيارتي للعمل بالغاز بدلًا من البنزين؛ بسبب ارتفاع سعره. ولكن مع ارتفاع أسعار الغاز في السوق السوداء، لم أعد أستطيع شراء الكمية التي أحتاجها بأقل من ضعف السعر المعتاد".
يوضح العمصّي أنه يضطر لشراء الغاز من السوق السوداء؛ لمواصلة عمله في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع.
ويضيف في حديثه لـ "نوى": "إذا لم أواصل العمل في الظروف الحالية، فإنني لن أتمكن من تأمين قوت يومي. أنا مضطر للبحث عن بائعي الغاز في السوق السوداء وعبر مجموعات فيس بوك؛ لتلبية احتياجاتي".
إسماعيل وغيره الكثير من سائقي الأجرة، الذين يضطرون إلى التعامل مع السوق السوداء يشيرون إلى عمق الأزمة الاقتصادية التي يواجهها سكان القطاع، حيث أصبحت المعيشة أكثر صعوبة وأكثر تعقيدًا، لا سيما بالنسبة لأولئك الذين يعتمدون على قوتهم اليومي.

ويوضح المهندس محمد أبو رحمة صاحب محل "هب إنترنت"، أنه يضطر إلى شراء السولار بمضاعفة السعر عن المعتاد من السوق السوداء؛ لتشغيل المكان الذي يلجأ إليه العديد من الطلبة وأصحاب الأعمال المستقلة.
ويضيف صاحب المحل: "نعتمد بشكل أساسي على السولار لتشغيل المولدات الخاصة بنا؛ لأن الاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية وحده لا يكفي كمية الضغط في المكان".
ويزيد: "الظروف الراهنة وقرار إغلاق المعابر المفاجئ واحتكار العديد من التجار للسولار، جعلنا نضطر لشرائه من السوق السوداء بأسعار تفوق بكثير السعر الحقيقي له".
"أنا على دراية بأن هذا ليس قانونيًا، لكن لا خيار أمامي. لا أستطيع الاستغناء عن مصدر الكهرباء لتشغيل المكان لأنه مصدر دخلنا الوحيد".
يأتي ذلك، بعد أن أصدر الاحتلال الإسرائيلي قرارًا بإغلاق المعابر مع قطاع غزة في الثاني من مارس 2025م، بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. هذا القرار فاقم من معاناة السكان في القطاع، حيث كانت المعابر تشكل المصدر الرئيس لتدفق السلع والبضائع إلى غزة.
ومع هذا الإغلاق، ازداد الاعتماد على السوق السوداء كبديل لتلبية احتياجات القطاع المحاصر.
ويتابع أبو رحمة قوله: "أنا على دراية بأن هذا ليس قانونيًا، لكن لا خيار أمامي. لا أستطيع الاستغناء عن مصدر الكهرباء لتشغيل المكان لأنه مصدر دخلنا الوحيد".
ورغم معاناته، يصر المهندس أبو رحمة على متابعة عمله رغم الصعوبات اليومية، مدفوعًا بالأمل في تحسين وضعه المالي والتغلب على العقبات التي يواجهها بشكل مستمر في ظل أوضاع قطاع غزة غير المستقرة.
"الاستعدادات كانت من خلال تشكيل لجنة حكومية مشتركة من وزارة الاقتصاد، ووزارة الزراعة، ومباحث التموين، والشرطة، التي كان دورها الأساسي دعم جهود الوزارة في تنظيم السوق".
وفي محاولةٍ للتخفيف من آثار الأزمة، أكدت وزارة الاقتصاد في قطاع غزة أنها بدأت الاستعداد مبكرًا لمواجهة تداعيات أي إغلاق للمعابر، حيث دعت التجار إلى زيادة حجم الاستيراد من السلع الأساسية؛ لضمان توفر المخزون اللازم.
وقال الدكتور محمد بربخ، مدير الأبحاث الاقتصادية في وزارة الاقتصاد بغزة: "منذ اللحظة الأولى للإعلان عن توقف العمل في المعبر بسبب دواعٍ تقنية في 28 فبراير/ شباط الماضي، أي قبل الإعلان الرسمي عن الإغلاق من قبل مكتب نتنياهو في 2 مارس حول منع إدخال الإمدادات الغذائية والمساعدات إلى قطاع غزة، بدأنا بالاستعداد لتلك المرحلة".
وأضاف في حديثه لـ "نوى": "وجهّنا دعوة للتجار والقطاع التجاري بزيادة استيراد السلع الأساسية والتموينية؛ لتعزيز المخزون السلعي وضمان تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات".
وأضاف بربخ: ". وقال: "لقد وضعت اللجنة عدة مهام منها حصر كميات المواد التموينية والسلعية لدى كبار التجار والمستودعات الرئيسية، متابعة آلية التصرف فيها، وتحديد أسعار البيع، كما قمنا بمتابعة سلوك المولات والسوبر ماركت والبسطات لضمان التزامهم بالتسعيرة المحددة".
"من بين الإجراءات التي تم اتخاذها تحديث قائمة الأسعار الاسترشادية بشكل مستمر وتنفيذ حملات تفتيشية داخل الأسواق. كما قمنا بمداهمة أي مخازن ومستودعات غير معلن عنها".
وتابع بالحديث: "من بين الإجراءات التي تم اتخاذها تحديث قائمة الأسعار الاسترشادية بشكل مستمر وتنفيذ حملات تفتيشية داخل الأسواق. كما قمنا بمداهمة أي مخازن ومستودعات غير معلن عنها، وتسجيل محاضر ضبط للكميات المضبوطة وبيعها للمواطنين بالتسعيرة المعتمدة".
وأوضح أن إجراءات الاعتقال تتم بحق المخالفين، "ولكن لم يتم تنفيذ الغرامات المالية لأسباب تتعلق بالظروف الحالية". مردفًا بالقول: "حاليًا نركز بشكل أساسي على المواد الغذائية الأساسية والخضروات".
ورغم هذه الجهود، يقول الصحافي الاقتصادي أحمد أبو قمر إن "السوق السوداء هي انعكاس لاختلال الأسواق الطبيعية، حيث تعمل خارج إطار الرقابة الحكومية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واستنزاف جيوب المواطنين".
ويوضح أن الكوارث الاقتصادية، مثل الحروب والحصار، عادةً ما تؤدي إلى ظهور السوق السوداء، حيث تصبح السلع الشحيحة مستهدفة من قبل بعض التجار الذين يحتكرونها لبيعها بأسعار مرتفعة.
يؤدي وجود السوق السوداء إلى "استنزاف جيوب المواطنين وتكبدهم خسائر فادحة"، كما أنها "تساهم في ارتفاع معدلات التضخم، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي ويزيد من معدلات الفقر والبطالة".
ويضيف أبو قمر في حديثه لـ"نوى": "السوق السوداء هي خلل يصيب الاقتصاد، ويحدث نتيجة أزمات كالحروب والكوارث الطبيعية، حيث لا تعمل الأسواق بكفاءة، ما يخلق بيئة خصبة للاحتكار والاستغلال". ويرى أن "الحرب على غزة تسببت في تشوه اقتصادي، إذ أن الاحتلال منع دخول البضائع لأكثر من 15 شهرًا، ما دفع المواطنين للبحث عن احتياجاتهم بأي وسيلة، في ظل غياب الأسواق المنظمة".
وحول تداعيات استمرار السوق السوداء، يحذر أبو قمر من أنها تؤدي إلى "استنزاف جيوب المواطنين وتكبدهم خسائر فادحة"، كما أنها "تساهم في ارتفاع معدلات التضخم، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي ويزيد من معدلات الفقر والبطالة".
كما يشير إلى أن دولة الاحتلال لم تفرض الحرب على غزة عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا، حيث تعمدت خلق سوق سوداء في الوقود والعملة والمواد الأساسية، مما جعل القطاع يغرق في دوامة من الغلاء والاحتكار.
