ذاكرة "الخوف" تحاصر "فاطمة".. منذ سبعة عقود!
تاريخ النشر : 2025-04-07 18:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تنظر الحاجة فاطمة أبو عيطة (72 عامًا) إلى زوايا خيمتها بحسرة، وتقلّب في حديثها تفاصيل ماضٍ ظنّت أنه ولّى، لكنها تعود فتعيش تفاصيله مرةً أخرى، بواقعٍ أقسى وأكثر صعوبة.

"وُلدتُ في خيمة، وعشت صغري وشبابي في بيتٍ من الكرميد. كان يغرق في الشتاء، حياة قاسية للغاية، لكن ما أعيشه اليوم أصعب"، تقول السيدة وتتنهد بينما تروي الحكاية.

كانت الحاجة فاطمة المكنّاة أم محمد، تعيش في بيتها بمدينة جباليا شمالي قطاع غزة، حتى شّنت قوات الاحتلال الإسرائيلي حربها في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م.

رفضت السيدة وعائلتها النزوح إلى جنوبي القطاع، وظلّت تعاني ويلات التنقل المتكرر بين مناطق ومدن الشمال، حتى انتهى بها المطاف في خيمة، بأحد مخيمات النازحين وسط مدينة غزة.

"أنا أصلًا من قرية اسمها نجد في أراضي 1948م، أمي ولدت اثنين من إخوتي هناك، وأنا ولدت بعد الهجرة عام 1953م في خيمة بجباليا" تضيف.

وتسرد بهدوءٍ لا يشبه وضع السماء بغزة: "لا أتذكر معيشة الخيام، لكن حدثتني أمي كثيرًا عن معاناتها. عشتُ وكبرت في بيتٍ من الكرميد، خاصة عندها احتلّت قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة عام 1967م"، مردفةً: "أتذكّر أن الاحتلال كان يهاجمنا بالطائرات. حفرنا خندقًا في بيتنا، وكنا نختبئ فيه لحظة القصف على أمل أن يحمينا من الشظايا".

ومثلما عاشت السيدة معاناة حرب 1967م، عاشت أيضًا تجربة الانتفاضة الأولى، وتجوّل جيبات الاحتلال في جباليا، بعدما تزوجت وأصبح لديها أربعة أبناء، واعتقال الشبان وضربهم، لكن كل هذا لا يقارن بما يجري الآن كما تروي.

"لما صارت الحرب، رفضت النزوح، ضليت في بيتي شهرين، ولما صار الاجتياح البري نزحنا إلى مدرسة ثم إلى غزة، ورجعنا على جباليا، ثم إلى غزة مرة أخرى"، تقول.

لم تحمل عائلة الحاجة فاطمة أي شيء من بيتها حين نزح أفرادها تحت القصف الكثيف، واضطروا لشراء كل ما يلزمهم من ملابس وأغطية وأواني، لكنهم تعرضوا لفقدها مع نزوحٍ آخر.

تعقب: "الرعب والفرار الدائم من الموت، جعل العائلة لا تفكر سوى بالنجاة بالروح"، متابعةً: "كنا نأمل أن نعود إلى منزلنا، ونجد فيه العوض عن كل شيء فقدناه، ولكن عندما تم توقيع الهدنة في 18 يناير 2025م، ذهب ابني إلى هناك فوجد البيت مدمرًا بالكامل".

البيت يعادل الروح كما تروي أم محمد، فهي التي بنته بشقّ النفس على مدى سنوات، تتنهد وتزيد: "كان زوجي رحمه الله يعمل في الداخل المحتل، وكنت أدخر من ماله كي أبني البيت حجرًا حجرًا حتى أصبح ثلاثة طوابق، شقاء العمر لا يمكن أن يكون خبر فقدانه بسيطًا".

وإلى جانب معاناتها من واقعٍ جديد فُرض عليها، ومعيشة الخيام التي تفتقد لكل أشكال الخصوصية، فإن أم محمد تعاني من أمراض القلب، والغضروف، وخشونة الركبة، والغدة الدرقية والتهاب الأمعاء. الأقسى من كل هذا أن الأدوية مقطوعة، والأغذية التي تناسبها غير متوفرة، فهم يعتمدون بالكامل على طعام التكيات وأغلبه من البقوليات والمعلبات.

تشتكي أم محمد حاليًا من إصابتها بالأميبا، نتيجة واقع النظافة السيئ داخل مخيمات النزوح، خاصة مع انتشار الذباب والحشرات، مثلما تشتكي من سوء التغذية.

تقول أم محمد: "كنت أرسل ابنتي بشكل دائم إلى العيادات الحكومية والصيدليات؛ لتبحث لي عن أدوية تنظيم ضربات القلب، وباقي الأدوية التي تخصني مثل أدوية فتح الشرايين، لكنها لم تجد شيئًا، صحتي تتراجع بشكل مستمر، وأنا لا أملك لنفسي إلا الصبر".

تشتكي أم محمد حاليًا من إصابتها بالأميبا، نتيجة واقع النظافة السيئ داخل مخيمات النزوح، خاصة مع انتشار الذباب والحشرات، مثلما تشتكي من سوء التغذية، والفقدان التام للمواد الغذائية التي تناسبها، كل هذا بلا أي أفق في تحسن الواقع.