عتمةٌ ودخان وصرف صحي.. صورةٌ قاتمة للحياة بغزة!
تاريخ النشر : 2025-03-20 13:31

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على مقربة من بركة الشيخ رضوان بمدينة غزة، يجلس سامح زهد على كرسي، يتأمل منسوب ارتفاع المياه العادمة التي تملأ الحوض الكبير بكميات هائلة تقدر بنحو 400 ألف متر مكعب، وبارتفاع منسوب وصل إلى ستة أمتار.

يشيح بنظره مشمئزًا وهو يراقب الأعداد الكبيرة من أكياس القمامة التي ألقيت في الحوض، في ظل انعدام توفر الوقود، الذي منع سيارات البلدية من القيام بمهامها بجمع النفايات وترحيلها إلى المكبات الرئيسة والمعتمدة في قطاع غزة.

لم يكن ذلك، المشهد السيء الوحيد في صورة المأساة هنا، فإضافة للروائح الكريهة المنبعثة من البركة التي صارت مكانًا لتجميع المياه العادمة بعدما كانت قبل الحرب مخصصة لتجميع مياه الأمطار، تخوض عائلة زهد معركة متواصلة مع الذباب والبعوض، اللذان ينغّصان معيشتها ليلًا ونهارًا، تمامًا كما الاحتلال.

بملامحه المتعبة، وصوته الذي يحمل وجعًا (لا يشبه عمره)، يقول الشاب الثلاثيني لـ"نوى": "نسكن هنا منذ فترة طويلة، ونتيجة الحرب، قامت البلدية بتحويل المياه العادمة إلى البركة. هذا أدى إلى كارثة أخرى نعيشها ونعاني منها لا سيما في الليل، عندما ينتشر البعوض، ويبدأ بلسع أطفالنا".

لزهد ستة أطفال، ويخشى من آثار انتشار الأمراض والفيروسات نتيجة طفح مياه الصرف الصحي بالشوارع، خاصة مع ظهور فايروس شلل الأطفال، الذي نظمت منظمة الصحة العالمية مؤخرًا، حملة التطعيم الثالثة ضده، لنحو 600 ألف طفل في القطاع، بعد ثبوت وجوده بالمياه العادمة، مع تخوفات كبيرة من انتشار أمراض قاتلة أخرى.

وإضافة لتلك المخاوف، يشغل تفكير زهد هاجس آخر، يحكي: "استمرار ضخ المياه العادمة مع احتمالية قدوم منخفضات جوية أخرى، يزيد مخاوفنا من احتمالية طفح البركة باتجاه المنازل كما حدث قبل عشر سنوات، ووقتها كان الحوض مليئًا بمياه الأمطار، وليس المياه العادمة"، مشيرًا إلى أن منسور ارتفاع مياه البركة وصل قبل أسبوعين لنحو 7 أمتار.

ويوميًا يرد للبركة نحو 30 ألف متر مكعب من المياه العادمة، وتقوم البلدية بترحيل نفس الكمية لشاطئ البحر من المياه غير المعالجة، مع تدمير وتضرر 8 محطات معالجة، مما أدى لتلوث الشاطئ والثروة السمكية مما شكّل خطرًا آخر على أهالي القطاع.

وبموازاة أزمة الصرف الصحي المتفاقمة نتيجة تدمير البنية التحتية، يعاني الأهالي منذ بدء الحرب من أزمة مياه خانقة، حيث لا تصل المياه للمنازل ومخيمات الإيواء، إلا من خلال شاحنات لتوزيع المياه أو من خلال تشغيل آبار لفترة وأيام محددة أسبوعيًا، ما يجبر الأهالي على السير لمسافات بعيدة؛ لأجل توفير جالونات مياه يوميًا تكفي للاستعمال المنزلي.

المياه والكهرباء

داخل خيمة تنبعث المأساة من كل تفاصيلها، قرب البركة أيضًا، تجلس الفتاة إسراء الزبدة (18 سنة) هي ووالدتها وشقيقتها، أمام ثلاثة أحواض غسيلٍ بلاستيكية يفركن الملابس.

تحصل النسوة الثلاث على المياه، من خلال السير لنحو 200 مترٍ للوصول لبئر المياه، ثم ملء جالوني مياه صغيرين لا تملك العائلة غيرهما باستثناء قربتين صغيرتين لمياه الشرب.

تقول إحداهن، وتدعى إسراء لـ "نوى" بعد أن توقفت عن الغسل قليلًا وفي صوتها نبرة ألم: "في الليل تزداد آلام الظهر بسبب الحمل المستمر للجالونات. هذه معاناة مرهقة أعيشها منذ 15 شهرًا، أتمنى أن أتخلص منها ونعيش حياة كما كنا في السابق".

ولا تقل أزمة الكهرباء عن أزمة المياه، فمع حلول المساء تغرق غزة في ظلام دامس وتصبح الشوارع فارغة، تصول في شوارعها الكلاب الضالة فقط، التي يثير نباحها خوف الأطفال، خاصةً النازحين في الخيام المنتشرة في كل مكان.

ورغم أن الساعة كانت تشير إلى الثانية مساءً، إلا أن معرض الشاب أيمن شحتو للأحذية، الواقع بسوق الشيخ رضوان كان معتمًا، ومع حلول مغرب اليوم، يغلق السوق أبوابه بعدما كانت المحال التجارية تفتح أبوابها قبل الحرب حتى موعد السحور في موسم العيد.

يقول شحتو لـ "نوى" بينما كان عماله يحاولون جذب الزبائن بإعلان أسعار مخفضة: "طالما لا يوجد كهرباء فالحركة الشرائية للتسوق ضئيلة. من يريد النزول للسوق يأتي بالنهار، وقرب المغرب نغلق المحال ويصبح السوق فارغًا، لأن الرؤية تنعدم، وأي حركة هنا في الليل تجعلك عرضة للإصابة، نتيجة التعثر بحجارة المباني المتناثرة، وأسياخ الحديد".

ترسم ذاكرته صورة للسوق قبل الحرب، فيحكي: "كانت الحياة أجمل. كنا نستمر بفتح المحال التجارية حتى السحور، الناس يملأون الأسواق، والكل يستقبل العيد بفرح وسعادة"، متابعًا: "الآن لا ترى سوى الحزن يخيم على وجوه الناس، أصبحت أمنيتي الذهاب لاحتساء كأس قهوة على البحر الذي دمر الاحتلال رصيفه "الكورنيش" والمقاهي المنتشرة على طوله، حيث كنا هناك نتابع مباريات كرة القدم".

وتقع خيمة ليندا شقورة على شارع صلاح الدين، إلى الشرق من المشفى الأندونيسي، شمالي قطاع غزة. نصبتها هناك بمنطقةٍ عشوائية بعيدًا عن مخيمات الإيواء، بعد هدم منزلها، وعاشت في واقعٍ مأساوي.

مع ساعات الليل، وفي منطقة تخلو من الإنارة، وتحت سطوة الدمار الهائل الذي ألحقه الاحتلال بشمال القطاع، تخلد شقورة هي وأطفالها إلى داخل الخيمة التي تحاول إحكام إغلاقها جيدًا نتيجة انتشار الكلاب الضالة، فقبل أيام استطاع أحد الكلاب اقتحام الخيمة وإثارة رعب أطفالها قبل أن يطرده والدهم.

وكانت شقورة تتجول برفقة بناتها الأربع بسوق الشيخ رضوان محاولة شراء ملابس العيد، لكن الأسعار الباهظة نتيجة إغلاق المعابر وارتفاع أسعار السلع، حال دون تمكنها من إيجاد ما يناسب مقدرتها الشرائية. تقول لـ "نوى": "جئتُ في النهار لأنه لا يوجد حياة في الليل، أحاول إدخال البهجة والفرح على قلوب أطفالي لكن الأسعار لا تساعدني على ذلك".

 ومع عدم توفر كهرباء تستعمل شقورة ضوء هاتفها المحمول للإنارة، وتعقب: "نحن نعيش حياة مأساوية في شمالي القطاع، فلا يوجد كهرباء ولا مياه ولا أي مقومات حياة، عندما أحاول إعداد طعام السحور خارج الخيمة، ينتابني رعب أثناء محاولتي إشعال النار فلا أملك غاز طهي، وكل ليلة أنتظر حلول الصباح بفارغ الصبر لأن الليل مرعب بسبب الحشرات والكلاب والخوف من الاحتلال".

ومع ساعات النهار الأولى تنتظرها أولى المهام، السير مسافة طويلة هي وأطفالها لنقل المياه بواسطة دلاء وجالونات صغيرة من أحد الآبار.

الحطب رفيق الموائد

على جانب آخر، وقبل حلول المغرب بساعة، تنبعث أعمدة الدخان من أمام عدد من خيام أحد مخيمات الإيواء غربي مدينة غزة، تقوم النساء بطهي الطعام بإشعال النار بالحطب والبلاستيك أو الملابس الممزقة والنايلون.

قرب خيمتها، تنهمر دموع المسنة أم محمد أبو علبة وتنعدم رؤيتها؛ نتيجة الدخان، وجلوسها بقرب موقد النار لإعداد شوربة لأولادها، مع إضافة طبق من خليط الحمص مع الخبز.

وتمثل أزمة الغاز، واحدة من المشاكل التي أرّقت حياة الأهالي طوال فترة الحرب، فلجأوا لإشعال النار بواسطة حرق الأخشاب والورق الأمر الذي استنفذها بكميات هائلة، وأدى لمعاناة أبو علبة من حساسية بالعين واحتقان بالحلق وزيادة آلام "الربو"، مع عدم قدرتها على شراء دواء نتيجة أوضاعها الصعبة.

وبينما تقلب الشوربة وتراقب النار بحذر خوفًا من انسكاب آنية الطعام من الموقد. تقول لـ "نوى" بصوت وملامح محملة باليأس والآسى: " منذ خمسة عشر شهرًا وأنا أطبخ على النار، وكل أسبوع أو شهر أذهب لطبيب العيون نتيجة معاناتي من حساسية العين والصدر بسبب "الربو"، وهذه مأساة كبيرة، كما نعاني بالخيم من الذباب وارتفاع درجة الحرارة".

بقرب خيمتها يلهو الأطفال في ساحة المخيم الذي يعج بالحياة رغم قسوتها، لكن ترسم أبو علبة صورة مختلفة لشكل الحياة في الليل، قائلة: "مع ساعات المغرب تصبح الساحة فارغة بسبب العتمة وعدم وجود كشافات إنارة في المخيم وحتى في الخيام، وتجلس كل عائلة مبكرًا داخل خيمتها".

قرب مخازن لـ "الأونروا" التي كانت توزع دورة جديدة للطحين، ورغم أن أكياس الطحين تحمل عبارة "ليس للبيع"، إلا أن التجار وسط شارع الجلاء بمدينة غزة كانوا يجمعون كميات كبيرة من أكياس الطحين التي يستلمها المواطنون، ويقوم بعضهم أو الكثير منهم ببيعها.

عن ذلك، يقول أحمد (اسم مستعار) بعدما رفض الإفصاح عن اسمه لـ "نوى": "التجار يشترون الطحين بأسعار زهيدة من الناس، مع توقعهم باستمرار الإغلاق، وبالتالي يرفعون سعر الكيس الواحد بأضعاف مضاعفة. الآن يشترونه بسعر 27 شيقلًا ولا ننسى أنه وصل في فترة ما خلال الحرب لسعر 1000 شيقل وأكثر، لكن في النهاية المسؤولية الأولى يتحملها المواطن الذي يستلم المساعدة، فلا أحد يجبره على بيعها بهذا السعر وبعد ذلك يندم ويعود لشرائه بسعر مرتفع".

تفكيك الأزمات

ويأمل المواطنون في غزة، أن تتفكك هذه الأزمات من خلال حلول سياسية تقضي بتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، من خلال تشكيل حكومة توافق وطني، للتمهيد لعملية الإعمار وحل أزمة المياه عبر إصلاح الخطوط المدمرة وإعادة تشغيل التيار الكهربائي وإعادة الحياة.

"القضية الفلسطينية تتعرض لأبشع أنواع الاستهداف، وما يجري بغزة يفوق أي خيال وتصور. وحدة الصف الفلسطيني يجب أن تكون رافعة المواجهة".

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح: إنه "لا يبدو أن هناك من يفكر بموضوع الوحدة الوطنية، بوضع آليات وبرامج وأسس ينبغي الذهاب إليها، فالقضية الفلسطينية تتعرض لأبشع أنواع الاستهداف، وما يجري بغزة يفوق أي خيال وتصور. وحدة الصف الفلسطيني يجب أن تكون رافعة المواجهة، وحشد العالم لإنهاء الحرب الظالمة، لكن على أرض الواقع لا يحدث شيء".

وأضاف الصباح لـ "نوى": "وصلنا لاتفاق "بكين" العام الماضي، الذي دعا لتشكيل حكومة وفاق وطني، لكن لا خطوات حتى الآن باتجاه التنفيذ، وهذا الإعلان جاء في ظل شلالات الدم والجوع والمرض والجحيم الذي يعصف بغزة. نحن بحاجة إلى الاتفاق على برنامج كفاحي وسياسي يوحد شعبنا حوله".

وينادي الصباح بضرورة وجود حكومة موحدة، تتوجه منها وإليها جهود الإعمار، صاحبة مسؤولية منفردة -بعيدًا عن أي تجاذبات- عن تحسين حياة الناس في قطاع غزة، وإلا "فإن الشعب سيدفع الثمن من جوعه وعطشه ودمه".

وأكد أن إعمار غزة إرادة فلسطينية، وبعد تحقيق الوحدة الداخلية، يمكن أن تتحول هذه الإرادة إلى إرادة عربية وإسلامية. "الحل واضح للجميع بتشكيل حكومة وفاق وطني، فالقضية تمر بأخطر مراحلها، وما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات أسطورية، يستحق على أقل تقدير التوحد لدعمه وتحسين ظروف معيشته".