غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عن أي يوم مرأة تتحدثون؟" تتساءل إنعام الطويل (53 عامًا) باستغراب، ردًا على سؤال "نوى"، حول الذي تودّ قوله في هذا اليوم الدولي.
تقول بحرقة: "هذا العام، أنا أمٌ جريحة القلب. استشهد ابني البكر ياسر، ولم أودّعه. أعيش في خيمة، بلا أي مقومات للحياة الكريمة"، مستدركةً باندهاش: "لكن هل حقًا يحتفل العالم بيوم المرأة، ونحن النساء الفلسطينيات على هذه الحال؟".
وبينما يحيي العالم في الثامن من آذار من كل عام، يوم المرأة العالمي، تأكيدًا على حقوقها الإنسانية المنصوص عليها دوليًا، تعاني النساء الفلسطينيات في قطاع غزة ويلات الحرب الإسرائيلية، التي اندلعت يوم السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، ولم تنته تبعاتها المميتة حتى هذه اللحظة، برغم إعلان وقف إطلاق النار في يناير 2025م.
إنعام التي فقدت ابنها ياسر في 2 مايو/ أيار 2024م، تعيش حاليًا في خيمة بملعب اليرموك وسط مدينة غزة. تبكي وتضيف: "نزح ابني إلى النصيرات وسط قطاع غزة وبقيت أنا في غزة، استشهد في غارة إسرائيلية وترك ثلاثة أطفال، علمت باستشهاده بعد أربعة أيام، يومها كنت أجري وأصرخ في المخيم"، مردفةً بحرقة: "لا شيء يطفئ نار قلبي، فقد حُرمت من وداعه ومن الحضن الأخير".
"نساء فلسطين مجروحات القلب، اللي ابنها استشهد، واللي أُصيبت، واللي راح بيتها. هذا الوضع باختصار، وهيك بيمر علينا الثامن من آذار"، تزيد إنعام وتبكي.
دُمر بيت إنعام في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وهذا اضطرها للمكوث في خيمة متهالكة، بينما يمر عليها يوم المرأة باهتًا صعبًا. "كنت أشارك في مثل هذا اليوم في فعاليات وندوات، وكانوا يوزعون علينا الورود. اليوم لا شيء يمكن أن ينسينا ما حل بنا أو يطبطب على قلوبنا" تقول، مناشدةً العالم النظر بعين الرحمة للنساء الفلسطينيات، "يكفينا ما عانينا في الحرب، بدناش نخسر أكثر".
ووفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد استشهد خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نحو 48388 ألف شهيد، بينهم 12298 ألف امرأة، بينما تجاوز عدد الجرحى 111 ألفًا، 70% منهم من النساء والأطفال.
في جانبٍ آخر من المخيم الذي تقيم به إنعام، كانت الشابة فاطمة صالحة (29 عامًا) تطبخ على النار. تمسح عرقها الذي يتصبب على جبينها، وترسل في يوم المرأة العالمي للعالم رسالة: "آمل أن لا تعيش امرأة في كل العالم ما عشناه، وما زلنا نعيشه نحن نساء في قطاع غزة".
"يمرّ عليّ يوم المرأة هذا العام وقد دُمّر بيتي في جباليا، وفقد زوجي عمله ومصدر دخله، وأعيش في خيمةٍ شديدة الحرارة عندما تسطع الشمس، وقارصة البرودة في الليل وفي الشتاء".
وتكمل الشابة التي نزحت من منطقة الجرن بمخيم جباليا شمالي قطاع غزة: "يمرّ عليّ يوم المرأة هذا العام وقد دُمّر بيتي في جباليا، وفقد زوجي عمله ومصدر دخله، وأعيش في خيمةٍ شديدة الحرارة عندما تسطع الشمس، وقارصة البرودة في الليل وفي الشتاء، ورغم توفّر الغاز في الفترة الأولى من وقف إطلاق النار، إلا أنني لم أستطع شراءه، فليس لدينا ما يكفي من مال، نعيش أنا وزوجي وطفلي على ما توفّر من مساعدات".
وتعاني فاطمة كما غيرها من تعدد الأدوار، "نحن الرجال والنساء في آنٍ معًا"، تقول، وتزيد: "نحمل جالونات المياه، ونطبخ على النار، ونقف في طوابير التكيات. حياتنا أشغال شاقّة".
وتكمل: "في هذا اليوم يفترض بالعالم أن يقدّر النساء الفلسطينيات وخاصة في قطاع غزة، نريد منهم أن يخففوا عنا ويلات ما عانيناه، أن يعيدوا بناء بيوتنا، ويوفروا لنا احتياجاتنا. هكذا فقط يمكن أن يمر يوم المرأة العالمي علينا بحالٍ جيدة من وجهة نظري".
باستنكار تساءلت: "هل سيفعلون هذا؟"، ثم صمتت برهةً قبل أن تكمل بنبرة يأس: "العالم لا يرانا ًأصلًا".
وغير بعيدٍ عنها كانت السيدة ميساء نعيم (37 عامًا) تجلس أمام باب خيمتها، تنظّف الأطباق بما توفّر لديها من مياه جلبتها بجالونٍ واحد، فما زالت هي أيضًا تعيش في خيمةٍ بملعب اليرموك بعدما تدمّر بيتها في مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة.
تقول ميساء وهي أم لخمسة أطفال: "منذ بداية الحرب نزحت عدّة مرات من بيت حانون إلى جباليا ثم إلى خانيونس ثم رفح، ثم إلى خانيونس مرة أخرى، وعدت إلى غزة منذ أسبوع بسبب تدمير بيتي. قضيتُ كل هذه المدّة في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة".
"آذار هذا العام كما سابقه صعبٌ جدًا على المرأة الفلسطينية" تقول ميساء، فقد مرّ عليها -كما كل نسا غزة- في ظل غياب الأمان.
تقول: "مارسنا أدوارًا لم نعتدها مثل حمل جالونات المياه والمعاناة من التشرد بعد فقدان البيوت. أغلبنا فاقدات، وهمّنا الأول حماية أطفالنا في ظل ظروف بالغة التعقيد".
وتكمل: "أكثر ما عانيناه في فترة النزوح فقدان الخصوصية وغياب أدوات النظافة والأدوات الصحية الخاصة بالنساء. نطالب العالم بتوفير احتياجاتنا فهي أساسية بالنسبة لنا، يكفينا ما عانينا خلال الحرب، نريد أن نشعر، لو لمرة، أن العالم صادقٌ معنا".
وتطالب في يوم المرأة العالمي، المنظمات الدولية، وكل العالم، بتسليط الضوء أكثر على واقع النساء الفلسطينيات في قطاع غزة. "أن ينصفونا، أن يتحدثوا عنّا، عن كل ما عانيناه في الحرب من خوف ورعب على أنفسنا وأطفالنا. عن بيوتنا التي فقدناها، وأبنائنا الذين فقدوا أقل حقوقهم في الحياة الكريمة" تعقب ميساء بينما تواصل غسل الأواني.
