طفلٌ أفقدته شظية بصره: "راح أصير طبيب عيون"
تاريخ النشر : 2025-03-06 06:40
الطفل عمران الصوفي داخل خيمة عائلته بملعب اليرموك

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لما أكبر بدي أصير دكتور عيون"، تدهشك هذه الإجابة وتبكيك في آنٍ معًا! طفلٌ عمره ست سنوات، يهمس بأمنيته مبتسمًا، بينما يتحسس عينه التي فقدها جراء إصابة في قصف، بينما عينه الأخرى تحتضر.

الطفل عمران الصوفي، يروي لـ"نوى"، كيف انقلبت حياته منذ ذلك التاريخ، عندما أطلقت "إسرائيل" صاروخًا غاشمًا، كان أحد ضحاياه، هو وكل أحلامه معًا. يقول: "كنت بلعب، وتصاوبت (أُصبت)، بعدين نقلوني عالمستشفى، وكانت عيني بتنزف، وأنا بعيط من الوجع".

أصيب الطفل عمران خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بشظية أتلفت عينه وأصابت أذنه أيضًا، ما جعل علاجهما حلمًا بالنسبة لطفل لم يتقبّل بعد فقدان النظر، ناهيكم عن المشاهد المروعة التي ما زالت تقتحم أحلامه، لتلك الذكرى المرعبة، عندما هاجم جيش الاحتلال مستشفى الشفاء بمدينة غزة، حين كانت عائلته نازحة هناك، وخرج من بين فوهات بنادق الجنود تحيطه الدبابات.

يعيش عمران حاليًا مع والدته ناريمان الطويل (27 عامًا) في خيمةٍ بأحد مخيمات النزوح في مدينة غزة، بعدما دمّر الاحتلال المنزل الذي كانت تستأجره عائلة أمه التي انفصلت منذ سنوات، وكرست كل وقتها له، تارةً تعمل عاملة نظافة، وأخرى تلجأ للجمعيات.

تروي ناريمان تفاصيل ما حدث معهما فتقول: "كنا نسكن مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وقد نزحنا من بداية الحرب إلى مستشفى الشفاء، ولما اقتحمها الجيش وحاصرتنا الدبابات، بدأ طريقنا نحو هذا القضاء".

تكمل: "عمران شاهد الجنود فوق الدبابات، يوجهون أسلحتهم نحو الناس. خرجنا مرعوبين، أصيب عمران بحالة هلع ولم يتحرك من مكانه (صار يقول بدهم يطخوني)، لكن جدّته شجعته فمشى معنا".

هنا يقاطعها عمران: "كنت خايف، صفونا طابور وطلعونا، والدبابات كانت تحفر في الأرض والأسلحة علينا (موجهة نحونا)، وطخوا على المستشفى، وضلت الدبابات تمشي حولينا".

تحت هذا الرعب نزحت العائلة (ناريمان وابنها، ووالديها وشقيقها وشقيقتها)، إلى ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، حيث أقاموا خيمةً هناك، وتحت رعب الإقامة في مدينة غزة، التي صنفها الاحتلال منطقة عسكرية مغلقة، عانوا ويلات المجاعة.

في الحادي والثلاثين من مارس 2024م، كان عمران يلعب أمام الخيمة، وإلى جواره طفلة في مثل سنّه، أطلق جيش الاحتلال صاروخًا في المنطقة، فاستشهدت الطفلة فورًا، وأصيب عمران بشظية في عينه، وأخرى في أذنه.

تزيد أمه بحرقة: "جرينا من مستشفى لمستشفى وسط الخطر والدماء تنزف من عين عمران، لم نجد طبيبًا واحدًا مختصًا، سوى واحد تمكن من تغريز العين، إلا أنه لم يتمكن من وقف نزيفها، حتى جاء وفد أردني بعد أسبوع، وأجرى له عملية توقّف النزيف إثرها".

"لم يتقبل عمران بعد ما حدث له، ويستذكر دائمًا لحظة القصف، وخاله الشهيد، وصديق جدّه الذي كان يعطف عليه، واستشهد أيضًا، ويتذكر كيف استشهدت طفلة بجواره، قائلًا :"صغيرة هي أطول مني بشوية".

ما عاناه عمران بعدها لم يكن سهلًا، فقد تعرّض للتنمر من صغار لم يستوعبوا حالته، كما أنه احتاج لنظارة طبية كون عينه الأخرى ضعُفت بنسبة 2%، لكنه لم يعد يستخدمها أيضًا بسبب التنمر.

يمر عمران حاليًا بظروف نفسية سيئة، كونه فقد عينه، فهو لم يتقبل بعد ما حدث له، كما أنه يستذكر بشكل دائم تفاصيل ما جرى معه لحظة القصف، واستشهاد طفلة إلى جواره، ويتذكر دومًا خاله الشهيد، وصديق جدّه الذي كان يعطف عليه، لكنه استشهد أيضًا، ويتذكر كيف استشهدت الطفلة إلى جواره، قائلًا :"صغيرة هي أطول مني بشوية".

ومع صعوبة الأوضاع داخل الخيام، خاصة إثر قصف البيت الذي كانت تستأجره العائلة، ما زالت أم عمران تنتظر بفارغ الصبر نقل ابنها للعلاج خارج قطاع غزة، خاصة وأن لديه تحويلة طبية. تعقّب: "لا أعرف ماذا يمكن أن يفعلوا؟ هل من الممكن زراعة قرنية، أم هي عملية تجميل كي لا تبقى العين على هذا الحال الصعب".

يختم عمران: "الخيمة ثلج في الشتا، الدار أحسن، أنا لما أكبر وأصير دكتور عيون رح أعالج عينين الناس والصغار".