غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"ما عشته خلال الحرب لن يُمحى أبدًا من ذاكرتي، واجهت النزوح خمس مرات دون أن أرى الطريق أمامي، وحُرمت من جلسات غسيل الكلى"، بهذه الكلمات، لخّصت أروى ضاهر (27 عامًا)، معاناتها خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وقالت لـ"نوى" بحرقة: "ما زلت أعاني صحيًا ونفسيًا من تبعات ما حدث. أنا لم أشعر بالعجز في حياتي مثلما حدث خلال الحرب".
وُلدت أروى في مدينة غزة، فاقدة للبصر بسبب زواج الأقارب -وفق ما شخص الأطباء حالتها- وحاولت التعايش مع إعاقتها، حتى وصلت إلى الجامعة عام 2015م، فاكتشفت إصابتها بالفشل الكلوي، بعدما عانت لثلاث سنوات من ارتفاع ضغط الدم دون أن يُكتشف السبب.
منذ ذلك الوقت، واظبت الشابة على جلسات غسيل الكلى ومتابعة دراستها الجامعية رغم صعوبة ذلك، لكن حين بدأت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، كانت الأمور أعقد، "يومها كنت في مستشفى الشفاء من أجل جلسة الغسيل. توترتُ كثيرًا بسبب قلقي على صحتي".
تتنهد أروى بحزنٍ وهي تسند ظهرها إلى أريكة في غرفة الضيوف ببيتها الذي عادت إليه في اليوم الأول لوقف إطلاق النار أواخر يناير 2025م، وتكمل: "اضطررت للنزوح إلى ساحة مستشفى الشفاء مع والدتي مدة شهر، حتى اجتاح الاحتلال المستشفى. عدتُ لمنزلي ليومين تنفّخ خلالهما جسدي بسبب تراكم السموم، فأجبرت على النزوح إلى جنوبي القطاع مع والديّ وشقيقاتي، بينما بقي أشقائي وأولادهم هنا".
ساعات مرعبة، تلك التي قطعت فيها أروى الطريق المليئة بالركام وبقايا أجساد الشهداء على الطرقات، وركام القصف وأغراض الناس الذين أجبرهم الاحتلال على إلقائها في الشارع.
تشرح بالقول: "كنت أمشي وأختي سمية تمسك بيدي وتدلني.. انتبهي هنا كوم حجارة مرتفع، انتبهي هنا كومة من الردم، كنت مرعوبة؛ خاصة أن الدبابة كانت خلفنا تمامًا، وبدأت برش الدخان على الناس، رفعتُ الهوية وأنا أمرّ على الحاجز أمام جندي لا أراه، خشيتُ أن تدهسنا الدبابة مثلما ارتكبوا الكثير من المجازر".
بعد ثلاثة شهور، حاصر الاحتلال المدرسة، وتحت نيران القصف الذي أدى لاستشهاد وإصابة العشرات، نزحت العائلة إلى مدينة رفح جنوبي قطاع غزة.
نزحت أروى وعائلتها إلى مدرسة قرب مستشفى ناصر بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، وانتظمت بجلسات غسيل الكلى لمرتين أسبوعيًا ولساعتين فقط، من أصل ثلاث جلسات مقررة بواقع أربع ساعات لكل منها، وهو ما تسبب في تراكم السموم بجسدها وتدهور وضعها الصحي والنفسي.
بعد ثلاثة شهور، حاصر الاحتلال المدرسة، وتحت نيران القصف الذي أدى لاستشهاد وإصابة العشرات، هربت العائلة ونزحت إلى مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، حيث أقاموا خيمة وضعوا فيها بعض ما تحصلوا عليه من أمتعة، وهم الذين نزحوا بلا شيء سوى بعض الأدوية والأوراق الطبية.
ظروف الخيمة كانت قاسية، فالكلاب تنبح طوال الليل بشكل مرعب كما تشرح أروى، ناهيكم عن انعدام الخصوصية، فقد باتت بحاجة إلى مساعدة في أبسط الأشياء التي اعتادت القيام بها بنفسها مثل تبديل ملابسها، كما تسبب الازدحام بانتشار قنوات الصرف الصحي والذباب والحشرات، وأدى لتراجع آخر في وضعها الصحي، خاصة مع تقليص جلسات غسيل الكلى.
"كنت أذهب إلى مستشفى أبو يوسف النجار شرقي رفح منذ منتصف النهار، رغم أن موعد الجلسة في الليل، وأنتظر بعد الجلسة حتى الصباح كي أعود".
تعقّب: "كنت أذهب إلى مستشفى أبو يوسف النجار شرقي رفح منذ منتصف النهار، رغم أن موعد الجلسة في الليل، وأنتظر بعد الجلسة حتى الصباح كي أعود. الانتقال من غربي المدينة إلى شرقها مرهق للأصحاء فما بالك بمصابة كلى".
حين اجتاح الاحتلال مدينة رفح، نزحت العائلة إلى دير البلح، وأقامت خيمتها، لكنها احتاجت للسير على الأقدام مدة 20 دقيقة بعد كل جلسة غسيل كلى وصولًا إلى الخيمة؛ بسبب بعد المكان عن المستشفى، ثم نزحت مجددًا إلى الزوايدة وبعدها النصيرات.
بعد وقف إطلاق النار، عادت آمنة إلى مدينة غزة، سيرًا على الأقدام ترشدها شقيقتها سمية مثلما خرجوا. كانت فرِحة وسعيدة رغم أنها كانت تتخطى طرقًا وعرة ومليئة بالحجارة والركام.
تقول: "خشيتُ أن نعيش ما جربه أجدادنا في نكبة عام 1948م، ولا نعود إلى غزة، هنا عادت لي روحي، رغم تدهور وضعي الصحي حتى الآن، أنا انتظمت في جلسات غسيل الكلى بمستشفى الشفاء ثلاث مرات أسبوعيًا، بواقع ثلاث ساعات لكل مرة، وهي مدة غير كافية لسحب السموم من الجسم".
"آخر فحوصات لي وأنا بغزة تؤكد تراجع وضعي الصحي بسبب ما عايشته العام الماضي، واستمرار تقليص جلسات غسيل الكلى".
تتنهد بعمق وتزيد: "آخر فحوصات لي وأنا بغزة تؤكد تراجع وضعي الصحي بسبب ما عايشته العام الماضي، واستمرار تقليص جلسات غسيل الكلى. مستشفى الشفاء يعمل بنصف كوادره، ويخدم كل مرضى غزة والشمال وهذا غير كافٍ على الإطلاق. نحن المرضى نعيش الخطر يوميًا".
وتكمل: "طوال فترة النزوح عانيت من عدم قدرتي على توفير المياه المعدنية، وما توفّر من مياه لم يكن مناسبًا لصحتي، وحتى الآن ما زلت أعاني من مشكلة عدم قدرتي على توفير المياه المعدنية، رغم أن المسموح لي يوميًا من السوائل هو نصف لتر فقط، لكن معاناتي مع المياه ما زالت مستمرة".
أروى، هي واحدة من (1100) مريض/ـة بالفشل الكلوي في قطاع غزة، ما زالوا يُحرمون من حقهم في تلقّي العلاج اللازم، وجلسات غسيل الكلى التي تقلصت لهم جميعًا، حيث يعمل مستشفى الشفاء بنصف قسم للكلى، بينما يخدم كل مرضى مدينة غزة وشمالي القطاع، ناهيكم عن ما يعانونه من أجل الحصول على المياه المعدنية التي تناسب صحتهم، "فارتفاع ثمنها يجعلهم غير قادرين على توفيرها".
وتناشد أروى الداعمين، إلى الانتباه لأقسام غسيل الكلى ومساعدة المستشفيات في تحسين تقديم الرعاية الصحية لهم، لاسيما فيما يتعلق بمستوى الجلسات أو الأدوية أو الفحوصات الطبية، "فهي مكلفة ولا يستطيع المرضى توفيرها".
تعقب الشابة بحزن: "نحن نعايش الخطر على مدار الساعة بسبب عدم تمكننا من الحصول على حقنا في العلاج كما يجب".
