لا طقوس لـ"رمضان".. سوق "الزاوية" يبكي أهله!
تاريخ النشر : 2025-02-25 15:00
صورة بتاريخ اليوم لسوق الزاوية الشعبي وسط مدينة غزة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تتجول المواطنة رويدة مقيدة (30 عامًا) داخل ممر سوق الزاوية الشعبي وسط مدينة غزة، تتفقد البسطات القليلة المتواجدة، بحثًا عن بعض السلع الخاصة بشهر رمضان المبارك.

أيامٌ قليلة، ويُعلن بدء الصيام، والأجواء في قطاع غزة، لم تختلف كثيرًا، برغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار -حتى اللحظة- عن رمضان الحرب ذاته. حين شحبت الوجوه، وانقبضت القلوب، ونقُصت اللمة.

عادت السيدة من جنوبي القطاع، بعد نزوحٍ دام أكثر من عام، ولا تنسى كيف مرّ رمضانها هناك في الخيمة، باردًا بلا أي طقوس. تقول: "رمضان عاد مع غصة فقدان بيتي ونزوحي إلى منزل أحد أقاربنا بغزة، ناهيكم عن فقدان السلع التي اعتدنا شراءها قبل الحرب استعدادًا للشهر الكريم".

أجواء الاستعداد، اختلفت تمامًا عما كانت عليه قبل الحرب، حين كان الباعة يتجّهزون قبله بأسبوعين، من خلال توفير أنواع واسعة من الأجبان والألبان والمشروبات الطبيعية والصناعية. أنواع مختلفة من التمور والمكسرات اللازمة لحلوى "القطايف"، وحبال الزينة، والأناشيد الرمضانية التي كانت تصدح أمام أبواب المحال التجارية، في جانبي السوق الذي كان يكتظ بالمتسوقين.

جولةٌ قصيرةٌ في سوق الزاوية الشعبي هذا العام، تجعلك توقن بأن هذا كله اختفى. السوق فارغٌ إلا من بعض المتسوقين، وقد غابت تمامًا أي أجواء احتفالية أو أناشيد. وحده الصمت والوجوه العابسة يلفّان بعض البسطات، التي افتتحها أصحابها في خيام بدلًا من المحلات التي تعرضت للتدمير خلال الحرب. اختفى تمامًا تنوّع السلع، ليحّل بدلًا منه القليل مما استطاع الباعة توفيره.

أمام أحد البسطات المحاطة بخيمة من شوادر النايلون، يقف البائع حازم السقا، يعرض بضاعته من أجبان الفيتا، والقليل من التمر، وكمية محدودة من الكركديه، ويقول: "هنا كان لي محل تجاري كبير معروف باسم شركة السقا للتجارة العامة، والآن أضع ما وفرته من بضاعة في هذه الخيمة، الاستعداد لشهر رمضان لا يشبه السنوات السابقة، فكل ما هو موجود مستورد من الضفة الغربية ومن بضائع الاحتلال ومصر والأردن. اختفى تمامًا المنتج المحلي سواء الزراعي أو الصناعي، وهو ما جعل الأسعار أعلى والإقبال شبه معدوم حتى الآن".

بحسرة يشير إلى البضاعة القليلة المتوفرة، ويكمل: "هناك سلع اضطررنا للاستغناء عنها بسبب ارتفاع الأسعار، وأخرى وفرناها بكميات قليلة مثل الخروب المطحون، والكركديه، والمكسرات".

 يتنهد بحزن مضيفًا: "لا شيء يشبه رمضان ما قبل الحرب، كانت الأسعار معقولة والإنتاج المحلي متوفر والبدائل متنوعة، والأجواء كانت احتفالية، لكن الآن الزينة تحتاج كهرباء وهي غير متوفرة، وحتى الزينة المعلّقة غير المضيئة لم نعلّقها. نفسية الناس غير مهيئّة للاحتفالات، غزة ميتة والناس تحاول إعادة إحياء نفسها".

لم يكن السقا ممن نزحوا خارج مدينة غزة، بل نزح داخليًا طوال الحرب شمالي القطاع، ولم يتمكن من افتتاح محله العام الماضي نظرًا للارتفاع الجنوني في الأسعار، وعدم قدرته على جلب بضاعة. يعقب: "كان كل الناس يعتمدون على الطرود الغذائية".

أما البائع أبو يوسف كحيل، فقد انشغل في بيع الخضار، مع الإقبال الجيد عليها في ظل الانخفاض الحالي للأسعار، فالرجل الذي لم ينزح إلى الجنوب أيضًا، توقف عن البيع طوال أشهر الحرب، وخلال رمضان في العام الماضي كان من ضمن من عاشوا على الطرود الغذائية القادمة لغزة على هيئة مساعدات.

يخبرنا: "الاستعداد لشهر رمضان ما زال ضعيفًا، برغم انخفاض أسعار الكثير من السلع، حتى من جاءوا للسوق، هم ممن عادوا من النزوح، المشتاقون لكل شيء في مدينة غزة"، مستدركًا: "لكن نفسية الجميع غير مهيأة لأي أجواء أو استعدادات".

يشير البائع إلى بضاعته وهو يتابع: "كيلو البطاطا بستة شواكل، وكيلو البندورة بخمسة، وكذلك الخضار. في العام الماضي كان قرن الفلفل الأخضر وحده يتجاوز 15 شيكلًا، والبصلة الواحدة بـ 45، حبة البندورة بـ20 شيكل، وغير ذلك من الأسعار التي لا يستوعبها العقل البشري".

محل أبو يوسف في سوق الزاوية تعرض للأضرار بسبب القصف الإسرائيلي تمامًا كما باقي المحلات التجارية في هذا السوق العتيق، لكنه على الأقل عاد للعمل بما بقي من جدرانه، فهناك محلات تدمّرت تمامًا واستبدلها أصحابها بالخيام.