غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"هذا حذاؤه.. والله"، صرخت أم الشهيد يزن العجل (17 عامًا)، بعد بحثٍ طويلٍ قرب حاجز "نتساريم"، ونادت: "جثة ابني هنا.. متأكدة، يزن هنا".
في السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير المنصرم، دخل وقف إطلاق النار بغزة حيز التنفيذ. لم تتمالك أم يزن نفسها، وذهبت ركضًا للبحث عن جثة ابنها هناك، بعد عامٍ من الفقد المُر، والفراق الذي كُتب "دون وداع".
تحكي لشبكة "نوى": "وكأنني شممت رائحته، وبرغم إصرار زوجي على أننا لن نجد جثته، إلا أنني لم أصدق"، وتعقب بحرقة: "قلبي دلني على مكان جثته".
لم يتحمل قلب أم يزن صرخات شقيقتها، وهي تقول: "هيو.. هيو والله هي جثته"، لم تصدق أن ترى بِكرها "ونور عينها" مُسجّى على الأرض، "هيكلًا عظميًا"، بعدما كان شابًا يافعًا "يقف على كتفه النسر".
وتكمل: "فقدت الرؤية لأربع دقائق، وبقيتُ أُلح عليهم بالسؤال: وينو؟ أنا مش شايفاه، وين يزن؟"، مردفةً: "كأن الله له الحكمة في أن تصيبني غشاوة، حتى تبقى صورته في مخيلتي جميلة".
وكيف تأكدتِ من أنه يزن؟ سألتها "نوى"، فأجابت: "من تلبيسة أسنانه التي كانت على وشك السقوط، ومن الوشاح الذي كان يلف رقبته".
أما اللحظة الأقسى، التي ترفض ذاكرتها نسيانها، فكانت حين احتضنت جمجمة ابنها وقبلتها كثيرًا. تصف المشهد بقولها: "تمنيتُ أن تنشق الأرض وتبتلعني".
لم تتخيل أم يزن في يوم من الأيام، أن تجلس بجوار جثة ابنها، وتُشكو له وجع غيابه الأبدي، وهي التي كانت تعد الثواني والساعات على أمل أن يكون حيًا، أو حتى معتقلًا لدى الاحتلال الإسرائيلي.
لكن الذي لم يكن في الحسبان، أن يُجبَر زوجها على حمل ابنه بالكفن من المنطقة الوسطى حتى مدينة غزة عبر شارع الرشيد، الذي سمح الاحتلال للنازحين بالعودة من خلاله مشيًا على الأقدام.
تقول: "اضطر زوجي لحمله بين يديه مشيًا على قدميه لأكثر من خمس ساعات، حتى وصلنا مقبرة في المدينة، صلى عليه جميع الأقارب وتم دفنه كما يليق بالشهداء".
"وماذا عن شعورك حين أصبح له قبر؟"، تجيب الأم المكلومة "نوى" بحرقة، وتقول: "أخيرًا سأنام مطمئنة، وسأتمكن من زيارته والدعاء له كلما اشتقت إليه".
حال أم يزن، قد يكون أفضل من حال الصحفية ناهد أبو هربيد، التي لم تملك القوة لرؤية جثمان شقيقها وقد أصبح حفنةً من العظام، بعد أحد عشر شهرًا من تاريخ استشهاده.
تقول لـشبكة "نوى": "رفضتُ رؤيته على الواقع وهو عبارة عن بقايا عظام. كنتُ أريد أن أحتفظ في مخيلتي بصورته شابًا جميل الصورة، كامل البنية".
وفي مشهدٍ حُفر بذاكرتها إلى الأبد، فُجعت ناهد بالصور التي التقطها طواقم الدفاع المدني لتتمكن من التعرف عليه، وبقيت حتى لحظة إعداد التقرير في حالة صدمة مريبة.
"كلا.. هذا ليس أخي.. أخي طويل وجميل"، هكذا بقيت ناهد تردد، رافضةً قبول الصورة الجديدة لشقيقها الحبيب. "لكنها كانت الحقيقة المرة، هذا جثمانه ولا مهرب من الواقع مهما كان قاسيًا" تضيف.
"عرفته من أسنانه المكسورة، بالإضافة إلى أن بطاقته الشخصية كانت داخل بنطاله الأسود، الذي أحفظ شكله ولونه عن ظهر قلب".
وتتابع: "عرفته من أسنانه المكسورة، بالإضافة إلى أن بطاقته الشخصية كانت داخل بنطاله الأسود، الذي أحفظ شكله ولونه عن ظهر قلب".
لحظات صعبة عاشتها ناهد وحيدة، حين أتوا بجثمان شقيقها، قبل أن يوارى الثرى داخل مدينة غزة، رفضت رؤيته، وبكت. تعلق: "دفنوه ولم أره، ولن أنساه حتى آخر يوم في عمري".
لم تتمكن ناهد من انتشال جثمان شقيقها لأكثر من 10 أشهر، رغم مناشدتها لجميع الجهات المعنية، نظرًا لأن منطقة دوار الكويت كانت ضمن المناطق التي يتمركز الجيش الإسرائيلي فيها.

تروي: "في رمضان الماضي، كانت المجاعة منتشرة في مدينة غزة، والدقيق غير موجود نهائيًا. اضطر أخي للذهاب إلى دوار الكويت من أجل انتظار شاحنات الدقيق، كي يجلب ما يسد جوع أطفاله، وهناك غدر الاحتلال كعادته بالمواطنين وارتكب مجزرة كبيرة، راح ضحيتها أكثر من 50 شهيدًا، من ضمنهم شقيقي، الذي أُصيب وتُرك ينزف حتى استشهد".
ما اللحظة التي كانت الأقسى على قلبك؟ أجابتنا وهي تحاول إمساك دموعها: "حين وجدوا جثته، كان بجوارها كيس دقيق معجون بدماء محمد".
محمود بصل: "منطقتا رفح ومحور نتساريم، سجلتا أعلى نسبة حالات انتشال".
ووفقًا للمتحدث باسم جهاز الدفاع المدني محمود بصل، فقد انتشلت طواقم الدفاع منذ وقف إطلاق النار، أكثر من 500 شهيد، من المناطق التي كان جيش الاحتلال يمنع الوصول إليها.
وقال لـ"نوى": "منطقتا رفح ومحور نتساريم، سجلتا أعلى نسبة حالات انتشال"، مؤكدًا أن الدفاع المدني في القطاع، يفتقر إلى معدات ومستلزمات خاصة بعمليات الانتشال.
"الطواقم في منطقة شمالي قطاع غزة، تواجه صعوبات كبيرة بعمليات الانتشال حتى الآن".
ويشير إلى ضرورة توفير إسعافات متخصصة لعملية الانتشال، وألبسة خاصة بالطواقم حتى لا تنتقل إليهم الأمراض، كذلك كمامات وأدوات حماية جيدة، متابعًا: "وهذا كله غير متوفر نتيجة المنع والإغلاق والتعنت الإسرائيلي".
ونوه المتحدث باسم الدفاع المدني، إلى أن الطواقم في منطقة شمالي قطاع غزة، تواجه صعوبات كبيرة بعمليات الانتشال حتى الآن، رغم مرور وقت على وقف إطلاق النار، نظرًا لانعدام المعدات.
