صواريخ وأجسام مشبوهة.. تحت الركام "موتٌ مؤجل"!
تاريخ النشر : 2025-01-26 12:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تحت سماء قطاع غزة التي لم تغادرها رائحة الموت حتى اللحظة، لم يعد خطر الموت متعلقًا فقط بغارةٍ هنا، أو استهدافٍ هناك، فبين الركام، وتحت الأنقاض، وفي الأزقة والشوارع، يختبئ شبح جديد يلاحق أهل المدينة المتعبة بلا هوادة. قنابل وصواريخ لم تنفجر، تحولت إلى ألغامٍ صامتة، تترصد حياتهم في كل خطوة، وتنتظر لحظة التهام ضحاياها الجدد.

في حيِّ البصّة الصغير، بمدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، حيث الحياة لم تعد كما كانت، يروي الصحافي محمد نشّبت قصّته مع الصواريخ غير المنفجرة، التي هدّدت حياته وأطفاله، فيقول: "في المنطقة التي أقطن بها، وتحديدًا في شارع تونس، أسقطت طائرة (إف -16) صاروخين لم ينفجرا، وهذا خلق هاجسًا كبيرًا في المحيط. كان هناك تخوف من أن يؤدي أي حركة أو تفاعل إلى انفجارهما في أية لحظة".

الصواريخ غير المنفجرة، ليست مجرد أجسام معدنية، بل هي قنابلٌ موقوتة تهدد حياة الآلاف من النازحين في تلك الأماكن. يضيف محمد لشبكة "نوى": "ما زال خطر الصواريخ قائم، هذه الصواريخ تجعل كل دقيقة تمر وكأنها آخر دقيقة في الحياة".

دعاء ريان، من سكان (مخيم 2) بالنصيرات وسط قطاع غزة، تتحدث هي الأخرى، عن معاناتها مع مخلفات الحرب قائلة: "آخر نزوح لنا كان منذ حوالي ثمانية أشهر، وعندها تلقينا خبرًا بأن هناك برميلًا متفجرًا فوق بيتنا ولم ينفجر بعد".

وتواصل: "خفنا كثيرًا في البداية من العودة إلى البيت، لكن التعب الذي واجهنا في حياة الخيام والمرض، جعلنا نتخذ القرار. قمنا بتنظيف البيت وترتيبه وعدنا لنعيش فيه".

تضيف دعاء: "جاء فريق أجنبي متخصص وحذرنا من البقاء في البيت، وقالوا إن الوضع خطير جدًا ونصحونا بالمغادرة. لكننا ما زلنا هنا، لا يوجد مكان نذهب إليه. نحن مضطرون للبقاء، رغم كل شيء".

وعلى بعد عشرات الكيلومترات، في مدينة رفح جنوبي غزة، تتجلى مأساة أخرى في شهادة رندة أبو عكر، التي عاشت واحدة من أصعب ليالي حياتها، في السادس من شباط/ فبراير 2024م.

في منزلها الواقع في حي تل السلطان، تضيف: "كنا نجلس في منزلنا المكوّن من ثلاثة طوابق، وكان مكتظًا بالنازحين القادمين من شمالي غزة، فجأة سمعنا صوت طائرة استطلاع تحلّق بالقرب من منزلنا وعلى ارتفاع منخفض بشكل ملاحظ ومرعب، وبعدها بفترة قيلة، دوّت أصوات ثلاثة انفجارات هزّت المكان، فلم نرَ إلا الغبار والدخان الذي ملأ المنزل".

تضيف رندة في حديثها لـ"نوى": "أحد الصواريخ سقط في غرفة الضيافة بالطابق الثالث واستُشهد عدد من النازحين الذي كانوا فيها، وصاروخ آخر سقط في غرفة خصصناها للنوم واستشهد أيضًا فيها نازحون، أما الثالث الذي لم ينفجر فقد استقر في ممر المنزل بالطابق الأول،  ولو انفجر لا قدّر الله لتسبب بمجزرة كبيرة، لأن معظم النازحين كانوا يتمركزون بالطابق الأول".

تعود رندة بالذاكرة إلى الوراء وتصف لحظات الرعب التي عاشتها مع من تبقى من أسرتها ومن النازحين: "أُصبنا بحالة من الرعب الشديد، وتم إخراجنا من المنزل وانتشال الشهداء من الطوابق العليا. وبعد فترة قصيرة وصلت الفرق المختصة التي كانت في تلك الفترة قادرة نوعًا ما على التحرك والتعامل مع البلاغات وقاموا بتفكيك الصاروخ وأخذه".
الخطر الذي يُرافق الصواريخ غير المنفجرة لم يقتصر على لحظة سقوطها فقط، بل يمتد لفترة طويلة بعد الحادثة. تضيف رندة: "لم نستطع العودة للسكن في الطابق الأول إلا بعد أن تأكدنا من زوال خطر الصاروخ الذي لم ينفجر بشكل كامل ونهائي، وبعد أن أخبرتنا طواقم الدفاع المدني أن المكان آمن".

يقول عماد أبو سيف، أحد سكان مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وهو يستعيد تفاصيل مأساة حفرها الزمن في ذاكرته: "سقط صاروخ غير منفجر في الحي الذي أعيش فيه، بالقرب من مستشفى اليمن السعيد، في الأيام الأولى من العملية العسكرية الأخيرة على المخيم".

ويكمل: "ظلَّ الصاروخ ملقى في الشارع لفترة طويلة، وكان الأطفال والنساء يتجولون حوله وكأنه جزء من المشهد اليومي للحياة في ظل الحرب".

يتابع عماد بصوت مثقل بالحزن: "بمرور الوقت، اعتاد الناس على وجود الصاروخ، رغم خطورته. لكن الكارثة وقعت عندما ألقت طائرات الاحتلال صاروخًا آخر على مكان قريب جدًا من الصاروخ الأول. في تلك اللحظة، حدث انفجار مهول أدى إلى مجزرة مروعة، راح ضحيتها عدد كبير من الشهداء، معظمهم من الأطفال".

يضيف عماد الذي أجبره الاحتلال على مغادرة المخيم: "هذه ليست مجرد صواريخ غير منفجرة؛ إنها أدوات موت مؤجلة، تبقى لتمزق حياة الناس في أي لحظة. ما نعيشه في غزة ليس حياة، بل صراع دائم مع الموت الذي يترصدنا في كل زاوية أينما ذهبنا".

6 آلاف قنبلة على الأقل من أصل 45 ألفًا أطلقتها قوات الاحتلال على قطاع غزة بين السابع من تشرين الأول ومنتصف كانون الثاني، لم تنفجر!

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فإن نحو 7500 طن من القذائف والقنابل غير المنفجرة موجودة في المنازل وبين الركام، "وهذا يتوجب إدخال الفرق المتخصصة وخبراء المتفجرات، من أجل التعامل مع المخلفات وإزالة خطرها".

وحذرت منظمات دولية، من أن 6 آلاف قنبلة على الأقل من أصل 45 ألفًا أطلقتها قوات الاحتلال على قطاع غزة بين السابع من تشرين الأول ومنتصف كانون الثاني، لم تنفجر، ما سيشكل خطرًا على حياة المدنيين في القطاع.

بدوره، أوضح الرائد محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، أن هناك العديد من الصواريخ والمقذوفات التي سقطت على المنازل وفي الطرقات ولم تنفجر.

وأشار إلى أن إشكالية كبيرة كانت تتعلق بالتعامل معها قبل إعلان وقف إطلاق النار، حيث أن "الجهة المخولة بإزالتها أو تحييدها هي هندسة المتفجرات، التي تواجه خطر الاستهداف المباشر من قِبل الاحتلال في حال خرجت للعمل".

وقال بصل في حديثه لـ"نوى": "تبقى هذه المخلّفات داخل الشوارع والمباني طالما أن القصف مستمر، وقد كان الاحتلال يرفض بشكل قاطع إعطاء الإذن لأي جهة للقيام بعمليات تحييد تلك المخلّفات. وبالتالي، استمر الوضع على ما هو عليه حتى أعلن وقف إطلاق النار".

"هذه المخلّفات تشكل خطرًا كبيرًا على حياة المواطنين، مشيرًا إلى إمكانية انفجارها نتيجة عدوى انفجار قريب منها أو بسبب عبث الأطفال بها".

وأكد أن هذه المخلّفات تشكل خطرًا كبيرًا على حياة المواطنين، مشيرًا إلى إمكانية انفجارها نتيجة عدوى انفجار قريب منها أو بسبب عبث الأطفال بها، وهو ما أدى في حالات سابقة لاستشهاد أطفال في قطاع غزة على مدار سنواتٍ طويلة من الحروب وجولات التصعيد.

وفي ظل هذا الواقع، كانت فرق الدفاع المدني تعمل على تحذير المواطنين من المناطق التي تحتوي على مخلّفات، بوضع علامات تحذيرية أو إنشاء حواجز من الحجارة حولها.

ويناشد بصل المواطنين، بضرورة تبليغ الدفاع المدني عند مشاهدة أي مخلّفات والابتعاد عنها تمامًا، مضيفًا: "هذه المخلّفات تتواجد بشكل كبير جدًا في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، وتشمل صواريخ، قنابل من الطائرات المسيّرة، طلقات نارية، وقذائف مدفعية أيضًا".