"أرزاق" على الرصيف.. صورةٌ للحياة وسط ضجيج "الموت"!
تاريخ النشر : 2025-01-15 12:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على الرصيف القريب من محله المهدّم يجلس حاتم مصبح (37عامًا) أمام ماكنة الخياطة وسط حي الرمال غربي مدينة غزة، يستقبل الزبائن في محيطٍ من الركام، يأخذ المقاسات، يُفصّل، يخيط بقايا الملابس، كما يرقع الثياب بمهارةٍ رغم الخطر.

وبينما لا يملك مصبح دخلًا سوى مهنة الخياطة منذ 20 عامًا، اضطر للعمل في الشارع بعد توفير معداتٍ بديلة عن تلك التي فقدها بعد تدمير محله.

يوجز مصبح المخاطر التي يواجهها أثناء عمله على الرصيف بالقول: "احتمالية الموت أو الإصابة في أي وقت"، مضيفًا: "أعمل والقصف العشوائي قد يحدث بشكل مفاجئ، وأجلس بين أماكن آيلة للسقوط، وحولنا بعض الأسطح شبه المنهارة".

"لقمة العيش اليوم صعبة، ودائمًا أودع أهلي قبل الذهاب إلى العمل؛ لأني غير متأكد من العودة".

أكثر من مرة، تطاير زجاج النوافذ بسبب القصف العنيف، فتسبب بإيذائه، لكن هذا لم يمنعه من العودة للعمل، فهو معيل أسرته، ويحتاج إلى دخلٍ يكفي احتياجاتها الكثيرة.

وأوضح مصبح أنه لجأ إلى الطاقة الشمسية والبطاريات كبديل عن الطاقة الكهربائية؛ لتشغيل ماكنة الخياطة بعد فقدانه للزبائن خلال عمله على الخياطة بشكلٍ يدوي عبر "مناولة دراجة هوائية"، وذلك لاستهلاكها وقتًا أطول في العمل والانتظار.

ولفت إلى شح الأدوات وتوقف العمل بسبب فقدانه لقطع صغيرة من الماكنات كبعض أنواع من "الإبر"، أو طبلة، أو نجل الماكنة، موضحًا أن عمله بات يستهلك وقتًا طويلًا يصل إلى نصف ساعة للقطعة الواحدة، التي كانت تُنجز ببضع دقائق قبل العدوان، "بينما المردود المالي ضعيف، ولا يكفي حتى لإصلاح أي عطلٍ في الماكنة".

 وبينما يبدأ مصبح الذي يعيل 8 أفراد دوامه في الصباح الباكر وحتى ساعات المساء، يحكي: "لقمة العيش اليوم صعبة، ودائمًا أودع أهلي قبل الذهاب إلى العمل؛ لأني غير متأكد من العودة"، مشيرًا إلى قلقه من المطر الذي يدعو الله بأن لا يأتي؛ حتى لا يتوقف عمله رغم بساطة المردود.

حلاق الشارع

ويتخذ هلال حبيب (24 عامًا) زاويةً من إحدى مفترقات شارع الوحدة غربي مدينة غزة مقرًا لعمله كحلاق، بعدما فقد صالونه المجهز بأحدث التجهيزات في شارع الجلاء غربي المدينة.

يعتمد حبيب على آلة إلكترونية "للحلاقة" ترتكز على الشحن عبر الطاقة الشمسية البديلة، وفي ذلك يقول :"عملية الشحن صعبة جدًا وتعيق عملي، كما تفقدني بعض الزبائن؛ كوني اضطر للتوقف والانتظار لساعتين من أجل شحنها بدولار واحد أكثر من مرة خلال اليوم".

وأعرب حبيب عن قلقه من فقدانه لعمله بشكلٍ نهائي إذا ما تعطلت ماكنته؛ بسبب غياب بدائل لها في القطاع، ملفتًا إلى أنه لجأ إلى استخدام البطاريات البديلة بعد شحنها كبديل احتياطي، يوصلها بالماكنة عبر "وصلة سيارة".

"أحيانًا، أتوقف عن العمل لفترة طويلة ويسيطر علي اليأس مع الخوف، لكني أحاول أن لا أستسلم رغم فقداني لكل شيء وغلاء المعيشة".

وأوضح أنه يبدأ دوامه بالسير على الأقدام من حي التفاح شرقي المدينة، وحتى حي الرمال غربًا، بحكم غياب المواصلات وارتفاع تكلفتها، مشيرًا إلى نجاته من الموت المحقق أكثر من مرة، ومعاناته من الصداع الدائم إثر ضجيج السوق الشعبي الذي يتواجد فيه.

وأضاف: "أحيانًا بعد النجاة، أتوقف عن العمل لفترة طويلة ويسيطر علي اليأس مع الخوف، لكني أحاول أن لا أستسلم رغم فقداني لكل شيء وغلاء المعيشة"، مشيرًا إلى ارتفاع ثمن معدات الحلاقة وتكلفة صيانتها بشكلٍ خيالي.

فرن الرصيف

وفي شارع النصر غربي مدينة غزة، يعمل منيب أبو وردة (28عامًا) على تقديم خبز الطابون عبر فرن صغير بناه بطريقة يدوية من ركام المنازل المدمرة والأرصفة والقليل من الرمل، بدلًا عن "فرن الطينة"؛ من أجل إعالة عائلته.

يتشارك أبو وردة ووالدته وإخوانه في هذا المشروع، بدءًا من جمع الحطب وحتى العجن والتقطيع، وصولًا إلى مرحلة الخَبز.

ويوضح أنه يعاني من أزمة في الحطب، الأمر الذي دفعه لاستخدام الأقمشة التالفة في إشعال النار عدا عن الدقيق، وفي ذلك يقول "أرش طحين حتى أحمي النار رغم أنها لا تخدم، ولكننا مضطرين أمام قصر الحال".

وأشار أبو وردة إلى خطورة عمله في الشارع، لا سيما وأن الفرن يولد الحرارة وينتج عنه الدخان، مضيفًا: "في أي قصف قريب قد أتضرر والأمر غير سهل، ونحن نعمل حتى نستطيع أن ننام ببطون شبعة".

وينوه أبو وردة الذي يبدأ دوامه من الفجر وحتى مغيب الشمس، ويبيع الرغيف بسعر شيكل واحد فقط إلى اضطراره لاستخدام البلاستيك في الإشعال، مضيفًا: "كل شيء مُضر، الغبار يصل إليك وأنت تعجن بالخيمة، وأنت تخبز في الشارع، ولكن علينا أن نتعايش".

حساء السلطعونات

"أخرج من الساعة الخامسة فجرًا من منزلنا في حي الشجاعية بخوف، أحدث نفسي حتى أصل للبحر، تكون السماء مغطاة بالطيران ولا أحد غيري في الشارع"، بهذه الكلمات يوجز لنا محمود الشرباصي (27عامًا) رحلة المعاناة التي يعيشها يوميًا في العمل.

ويتابع: "أشتري بعض السلطعونات من الصيادين؛ لأطبخ الحساء وأبيعه على الرصيف بحي الرمال".

ويوضح الشرباصي أن عمله مرهون بإمكانية الصيد وأنه كثيرًا ما يتعطل بسبب استهداف الزوارق الحربية للصيادين، مؤكدًا على خطورة السير في الطرقات الوعرة والمظلمة تحت النار.

لاقى حساء الشرباصي الذي كان يعمل نادلًا قبل العدوان رواجًا بين الناس في ظل غياب اللحوم، وفي ذلك يقول: "كتير ناس من أهالي المصابين يشترون الحساء من أجل القيمة الغذائية والحصول على عنصر الفسفور".

وبينما أشار الشرباصي إلى ارتفاع تكلفة السلاطعين والبهارات والأكواب التي يحتاجها لبيع الحساء، يمتنع عن استخدام أي بديل عن الحطب رغم غلائه لإشعال نار الطبخ؛ وذلك حرصًا على إعداد حساءًا صحيًا يقدمه بالسعر الذي يطلبه الزبون.