مخطوبون فرّقهم "النزوح".. حكايا "حب" و"حسرة"!
تاريخ النشر : 2025-01-02 18:53
(الصورة تعبيرية)

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تتفقد آية محمد (22 عامًا) هاتفها بين الفينة والأخرى بيدٍ مرتجفة منذ عامٍ وثلاثة أشهر من الصمود في شمالي قطاع غزة؛ للاطمئنان على خطيبها محمد، الذي اضطر للنزوح إلى مدينة خانيونس جنوبًا، مرافقًا لأخته التي أصيبت بجراحٍ خطرة بعد استهداف قوات الاحتلال لمنزل عائلته القريب من مسكنها بحي الشيخ رضوان.

تخبرنا آية، أن الحرب أحاطت علاقتهما بظروف صعبة، أبرزها البعد بلا اتصال، وتقول: "فترة انقطاع الإنترنت والاتصالات، كنت أعيش بدوامة تفكير.. مش قادرة أعرف شي فيها عن مصير خطيبي".

"ليس سهلًا أن تسمع خبرًا مفاده ارتقاء أحد الخاطبين بعد شتات وانتظار سنة ونصف.. أشعر في لحظتها بأن قلبي يتمزق، ودائمًا أدعو الله أن لا يبتليني بنفس الوجع"

تضيف: "كنتُ كلما سمعت باستهداف قريبٍ من المكان الذي ينزح فيه خطيبي لا أكف عن الاتصال به حتى يرد، في هذه اللحظة أتنهد من قلبي بعدما أطمئن لكونه بخير"، ملفتةً إلى أن الاحتلال حاصر منطقة سكنها في موعد زيارته الأخيرة، فاضطر للمغادرة دون أن يودعها.

وأردفت: "ليس سهلًا أن تسمع خبرًا مفاده ارتقاء أحد الخاطبين بعد شتات وانتظار سنة ونصف.. أشعر في لحظتها بأن قلبي يتمزق، ودائمًا أدعو الله أن لا يبتليني بنفس الوجع"، معربةً عن لهفتها وانتظارها لانتهاء الحرب، وعودة النازحين، "فأحاديثنا لا تتجاوز حدود الصوت طوال العدوان، وكلها كانت تتركز حول انتهاء الحرب والشوق، والتفاصيل اليومية لحياة الحرب والنزوح".

وانتهت حكاية يوسف مهنا (28 عامًا)، على أعتاب الإبادة بغزة، حيث قتلت قوات الاحتلال مخطوبته نرمين كحيل في استهداٍف لمنزلها بمنطقة الرمال شمالي القطاع، فجر الثامن من نوفمبر لعام 2023م، ذلك بعد أيامٍ من نزوحه إلى مدينة دير البلح جنوبًا؛ ليتفرقا بذلك للأبد بعد التشتت.

ونوّه مهنا إلى أنه لم يتوقف عن محاولات إجلاء مخطوبته وعائلتها من شمال القطاع قبل استشهادها، مضيفًا: "نسقت مع صديق لي كي يوصل خطيبتي وأهلها إلى جنوب القطاع، لكن للأسف تم قصف بيتهم وتحولت خطيبتي لأشلاء، ورحلت دون أن أودعها".

وأضاف: "بعد ارتقاء خطيبتي فقدت رغبتي بالتواصل مع أي أحد، قلبي يحترق من قصص ارتقاء المخطوبين بغزة؛ لأنه يعيد لي وجع الذكرى، والآن أنا لا أفكر سوى بتوفير قوت أسرتي المكونة من 6 أفراد، كوني مسؤول عنهم بعد وفاة والدي عام2020 م".

وعن محمود أبو عقلين (29 عامًا)، فقد أفسدت الحرب حياته، كما تسبب نزوحه من حي الرمال وسط مدينة غزة، إلى مدينة النصيرات جنوبًا تحت وطأة الحصار، في فسخ عقد قرانه بعد طول انتظارٍ لزفافه إلى مخطوبته، التي ظلت تعيش شرقي المدينة.

يقول لـ"نوى": "تشتتنا بين الشمال والجنوب كان من أصعب الأمور التي عشتها، لا سيما في فترات انقطاع الاتصال التي كانت تستمر أحيانًا لأكثر من 20 يومًا بلا أخبار في أجواء من اليأس".

ويضيف: "طال أمد الحرب، والهاتف لم يكن كافيًا لاستمرار الخطوبة، ومخطوبتي فضّلت البقاء مع عائلتها، وقررت الانفصال لعدم قدرتها على النزوح إلى الجنوب".

كان أبو عقلين على موعدٍ مع زفافه بعد أقل من أسبوعين من موعد اندلاع حرب الإبادة التي وصفها "بالجحيم"، قائلًا: "الحرب أفقدتني بيتي، وتعب سنيني كله راح تحت الركام، وخسرت قرابة 7 آلاف دينار بالخطوبة بسببها".

"بعض الغياب قد يفتح مساحة لعدم الفهم، لا سيما في ظل صعوبة التواصل وانقطاع سبله في بعض الأحيان، وهذا ما يحصل بالضبط في غزة بفعل اختلاف الظروف".

بدورها، أكدت د.سماح دبور، أخصائية الإرشاد النفسي والأسري، أن الحرب فجرت الكثير من المشاكل بين الخاطبين الذين تفرقوا بين شقي المدينة، موضحةً أن اختلاف التفكير الذي ولدته الظروف القاسية، بات أكبر التحديات التي تواجههم.

وأوضحت دبور أن الحرب وضعت من تفرق شملهم من الخاطبين أمام دوامة من الأسئلة، تبدأ بالسؤال عن توقيت انتهاء الحرب وكيفية الزواج وإمكانياته، وطبيعة القرار الصحيح على صعيد استمرار العلاقة، ملفتةً إلى صعوبة تعويض فجوة الاتصال الحقيقي، التي أوجدها العدوان بين الطرفين.

وحول أثر البعد بين الخاطبين على علاقتهم، أشارت دبور إلى أن المسافات قد تزيد الشوق وتمسح الخلافات البسيطة، وتحفز التغاضي بصورة تزيد الطرفين حبًا وتفاهمًا، فيما قد تزيد الفجوة من شعور الغربة بين الطرفين على خطٍ مقابل.

وأضافت: "بعض الغياب قد يفتح مساحة لعدم الفهم، لا سيما في ظل صعوبة التواصل وانقطاع سبله في بعض الأحيان، وهذا ما يحصل بالضبط في غزة بفعل اختلاف الظروف بين اثنين، أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب، في خضم حرب كلها مفاجآت"، موضحةً أن البعد يولد ظروفًا ضاغطة، وأفكارًا تركز على المناطق السلبية من العلاقة.

"الحرب خلقت هواجس خاصة بالمخطوبين أبرزها، مدى تقبل كل طرف للآخر في وضع جسدي جديد في حال الإصابة، عدا عن مخاوف الفقد والاختفاء بصورة ترفع من مستوى التوتر".

وحول قرارات الخاطبين واستمرار العلاقة في ظل ضبابية المصير، أكدت دبور على ضرورة تجنب إلقاء اللوم على أي طرف في قراره، لا سيما وأن لكل شخص ظرفه الخاص وقناعاته، موضحً أن قرار الانفصال قد يتسبب بصدع بين عائلتي المخطوبين، خاصة لو كانوا من الأقارب.

 وتابعت: "لا يمكن أن نلوم أبًا رفض إرسال ابنته إلى المجهول، خاصة مع وجود احتماليات الموت اللامتناهية طوال الوقت"، مشيرةً إلى تأثير فقدان مصدر الدخل والسكن واختلاف الأفكار على قرار الاستمرار في الارتباط، عدا عن فكرة احتمالية الفصل التام بين الشمال والجنوب، التي قد تكون سببًا رئيسًا للانفصال".

وأشارت دبور إلى أن الحرب خلقت هواجس خاصة بالمخطوبين أبرزها، مدى تقبل كل طرف للآخر في وضع جسدي جديد في حال الإصابة، عدا عن مخاوف الفقد والاختفاء بصورة ترفع من مستوى التوتر، وتؤثر على النوم، وتضعف الصحة، وتزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

ودعت دبور إلى ضرورة تأقلم الخاطبين مع الواقع الحالي ومحاولة الاسترخاء والتركيز على العلاقة الحالية، وتطويرها قدر المستطاع من ناحية العقل والفهم، موضحةً أن التركيز على الاتصال العقلي قد يساهم في زيادة التقارب، وخفض مستويات التوتر والمخاوف المستقبلية.