غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لطالما تمنيت منذ طفولتي أن أكون طبيبة تنقذ الأرواح وتداوي المرضى"، بهذه الكلمات بدأت آلاء أبو سمرة (19 عامًا)، من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حديثها عن حلمها "الذي وأدته الإبادة".
بدأت آلاء دراستها بكلية الطب في الجامعة الإسلامية بغزة بطموح وشغف كبيرين، لكن حياتها انقلبت رأسًا على عقب عندما دُمرت الجامعة بالكامل بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل للعام الثاني على التوالي في كافة أنحاء القطاع.
وتخبرنا: "كنت أعمل بجد لاجتياز الامتحانات، لكن عندما رأيت الجامعة وقد أضحت ركامًا، شعرت وكأن حلمي تحطم".

في قلب الفوضى التي فرضتها الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في السابع من أكتوبر/ تشرين أول للعام 2023م في قطاع غزة، تجد آلاء نفسها غارقة في بحرٍ من الدمار والدماء. تقول: "أواجه اليوم مصيرًا غامضًا. أفكر في مستقبلي إذا انتهت الحرب، ولا أرى خيارًا إلى السفر من أجل تحقيق حلمي.. هذا إن كتبت لي النجاة".
آلاء واحدة من مئات آلاف الشباب في قطاع غزة، الذين تحطمت آمالهم وطموحاتهم خلال عامٍ وثلاثة أشهر من الإبادة التي لم تتوقف حتى اليوم.
كان عام 2024م بالنسبة لهم كابوسًا بلا نهاية، بينما أحلامهم كلها طُمست تحت أكوام الركام، وفي شوارع وأزقة غزة، التي كانت يومًا ما تنبض بالحياة والفرح.
دمر جيش الاحتلال خلال حربه على غزة (125) مدرسة وجامعة بشكل كامل، و(336) مدرسة وجامعة بشكل جزئي، كما استشهد خلال هذه الحرب نحو 12 ألف طالب وطالبة، و(750) معلمًا ومعلمة، و(115) عالمًا.
وأفاد خبراء أمميون بأن الحرب المستمرة على قطاع غزة، تسببت بتدمير أكثر من 80٪ من المؤسسات التعليمية، "فيما يبدو أنه محاولة متعمدة لتدمير النظام التعليمي الفلسطيني بالكامل، أو (الإبادة التعليمية)".
ودمر جيش الاحتلال خلال حربه على غزة (125) مدرسة وجامعة بشكل كامل، و(336) مدرسة وجامعة بشكل جزئي، كما استشهد خلال هذه الحرب نحو 12 ألف طالب وطالبة، و(750) معلمًا ومعلمة، و(115) عالمًا وأستاذًا جامعيًا وباحثًا، بينهم رؤساء جامعات وعمداء كليات جامعية.
شقة العمر تحولت إلى رماد
وفقد محمد شهاب (29 عامًا)، من سكان مدينة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، وهو رب أسرة وأب لأربعة أطفال، شقته السكنية التي اشتراها بمدخرات سنوات طويلة من العمل.
يقول شهاب لـ"نوى": "كنت أعمل في مجال النجارة بجد وتعب كبيرين لتأمين مستقبل عائلتي، وبنيت شقتي بعرق جبيني بعدما عشت متنقلًا بين شقق الإيجار لثماني سنوات".
وأضاف: "لقد شاهدت شقتي مدمرة تمامًا، لقد شاهدت تعب السنين يذهب هباء، وشعرت بأنه لم يعد هناك أي أمل هنا".
وأفاد تقرير صدر مؤخرًا عن المكتب الإعلامي الحكومي، بأن الحرب أدت إلى تدمير البنية التحتية بشكل كارثي، حيث بلغت نسبة الدمار في قطاع غزة 86%، مع خسائر مادية أولية تقدر بـ37 مليار دولار.
وأدى القصف الإسرائيلي إلى تدمير 160,500 وحدة سكنية بالكامل، و83,000 وحدة باتت غير صالحة للسكن، فيما تعرضت 193,000 وحدة سكنية لدمار جزئي.
الآن، يعيش شهاب مع أسرته في خيمة قريبة من مخيم جباليا، شمالي القطاع، وسط ظروف إنسانية صعبة. يضيف: "توفير الطعام والماء أصبح تحديًا يوميًا. الأطفال يعانون من البرد، ولا توجد مساعدات كافية".
يطمح عايش إلى بداية جديدة في حال انتهت الحرب، ولكنه لا يظن أن غزة ستبدو المكان الأمثل لهذه البداية بالنسبة له، إذ يقول بيأس شديد: "إذا حصلت على فرصة للهجرة، سأغادر بحثًا عن حياة كريمة ومستقبل أفضل لأطفالي".
رائدة أعمال تبحث عن عمل
وكانت رُناد عايش (34 عامًا) التي نزحت من شمالي قطاع غزة إلى مواصي خان يونس جنوبًا، تعيش حلمها كرائدة أعمال في مجال البرمجة قبل اندلاع هذه الحرب.
عملت عايش لسنوات طويلة من أجل تأسيس شركتها الناشئة، التي قدمت خدمات تقنية للشركات المحلية والدولية. تقول لـ"نوى": "بنيت شركتي بجهد كبير، وكنت فخورة بأنها استطاعت تحقيق النجاح".
خلال الحرب، دُمّر مقر شركة رناد بالكامل بفعل القصف. تضيف بحزن: "فقدت كل شيء. المعدات، البرمجيات، وحتى عملائي. الأمر أشبه بكابوس لا ينتهي".
لكن خلال الحرب، دُمّر مقر الشركة بالكامل بفعل القصف. تضيف بحزن: "فقدت كل شيء. المعدات، البرمجيات، وحتى عملائي. الأمر أشبه بكابوس لا ينتهي".
الآن، تجد عايش نفسها تبحث عن أي فرصة عمل مع شركات أجنبية عبر الإنترنت؛ لتأمين دخل يعيلها. تشير إلى التحديات التي تواجهها بقولها: "الوضع التقني في غزة سيئ للغاية. الانقطاع المتكرر للإنترنت وانقطاع الكهرباء يجعلان العمل صعبًا".
وتأمل عايش أن تنتهي الحرب قريبًا، وأن تتمكن من بدء عام 2025م بخطط جديدة. وتزيد: "ربما أعيد بناء شركتي مجددًا في غزة، ربما يشهد العام الجديد بداية أفضل لكافة سكان القطاع".
فستان فرح.. وكفن!
بعد قصة حب دامت لأربعة أعوام، أعلنت حنين حسين (24 عامًا) من مدينة رفح جنوبي القطاع، خطوبتها مِن الشخص الذي اختاره قلبها.. ابن خالها أحمد.
كانت الفرحة لا تسعها، لكن الحرب خطفت روح خطيبها على حين غفلة ودون إنذار مبكر.
تقول حنين لـ"نوى" بلهجة باردة، وكأنها أعلنت استسلامها التام للظروف والحياة: "كنا نحلم ببناء حياتنا معًا. تمت الخطوبة في سبتمبر ٢٠٢٣م، أي قبل الحرب بأيام قليلة. كانت فرحتنا لا توصف".
كان من المقرر أن يتم الزفاف بعد ستة أشهر من الخطوبة، ولكن أتت الحرب لتوقف مخططات حنين وأحمد بتكوين أسرة جديدة.. وسعيدة.

في مارس 2024م، قتلت غارة إسرائيلية في مدينة رفح أحمد دون سابق إنذار. تقول حنين: "عندما استشهد أحمد شعرت بأن حياتي قد انتهت هنا، ولا أتصور أن أكون زوجة لشخص آخر غيره. لقد أصبح الفستان الأبيض الذي حلمت به منذ صغري مجرد ذكرى مؤلمة".
تعيش حنين التي نزحت من رفح إلى مخيم النصيرات مع مشاعر مختلطة من الحزن واليأس، لكنها تحاول أن تتشبث ببصيص أمل. تقول: "أتمنى أن يشهد عام 2025م نهايةً لهذه الحرب، ولكن الثابت لدي أنني أنتظر فتح معبر رفح؛ لأتمكن من السفر إلى تركيا. أريد الهروب من كل هذه الذكريات القاسية ومحاولة بدء حياة جديدة".
"الحرب أبادت عائلتي بالكامل"
ولم تكن الحرب بالنسبة للشاب إبراهيم عيسى (20 عامًا) الذي نزح من خان يونس جنوبًا إلى دير البلح وسط القطاع، تجربة نزوح ودمار وضياع وظيفة فقط، بل إنها اختطفت منه ما هو أغلى من كل ذلك.
لقد فقد عيسى 17 فردًا من عائلته، هم والديه وأشقائه وزوجاتهم وأطفالهم. كلهم قتلوا في غارةٍ استهدفت منزل العائلة في فبراير 2024م.
"كان أسوأ عام في حياتي. فقدت كل من أحبهم، ولم يتبق لي شيء سوى شقيق واحد فقط استطاع النجاة من هذه المجزرة".
يقول لـ"نوى" ساخطًا على عامٍ انصرم، وحمل من المآسي ما لا ينسى: "كان أسوأ عام في حياتي. فقدت كل من أحبهم، ولم يتبق لي شيء سوى شقيق واحد فقط استطاع النجاة من هذه المجزرة".
وأضاف: "اثنان من إخوتي ما زالا مفقودين تحت الأنقاض، رغم كل المحاولات التي بُذلت لإنقاذهما أو استخراج جثمانيهما". ويتابع بحرقة: "لن يهدأ قلبي إلا عندما أتمكن من إخراجهما ودفنهما بكرامة".
يحلم عيسى أن يشهد مطلع عام 2025م نهاية للحرب، ويقول: "أريد أن أكمل دراستي وأبدأ عملًا يساعدني على بناء حياتي من جديد. لن أستسلم، رغم كل ما حدث".
وبحسب آخر الإحصاءات المحلية، فقد حصدت هذه الحرب أرواح أكثر من 45 ألف فلسطيني، فيما بلغ عدد المفقودين نحو 11 ألف شخص، لم تصل جثامينهم إلى المستشفيات.
وارتكب جيش الاحتلال خلال هذه الحرب (9,905) مجازر، منها 7,160 مجزرة ضد العائلات، حيث أبيدت 1,410 عائلات بالكامل باستشهاد جميع أفرادها، كما أبادت قوات الاحتلال 3,463 عائلة أخرى، لم يتبق منها سوى فرد واحد.
آثار نفسية ستتواصل لسنوات
ويؤكد د.رداح الشاعر، أستاذ علم النفس الاجتماعي، أن الحرب حملت آثارًا نفسية مدمرة على فئة الشباب.
وقال لـ"نوى": "الشباب الذين في العادة يتطلعون لبناء مستقبلهم وتحقيق أحلامهم، يجدون أنفسهم أمام واقع مرير، حيث يتم تدمير هذه الأحلام بسبب فقدان الأمان والاستقرار، إلى جانب الدمار الذي يشهده المجتمع".
وأشار إلى أنه خلال الحرب الحالية، فقد الكثير من الشباب فرصهم التعليمية والمهنية، فتعرضت مدارسهم وجامعاتهم للدمار، كما تعطلت آمالهم في العثور على فرص عمل، متسائلًا بحرقة: "أي مستقبل ينتظر هؤلاء الشباب بعد انتهاء الحرب، مع أكثر من 80% من قطاع غزة المدمر؟!".
ويستعرض الشاعر مشهدًا مؤلمًا للشباب الذين فقدوا عائلاتهم وأحباءهم في الحرب، حيث لا يقتصر الحزن على فقدان الأشخاص فقط، بل يمتد ليشمل ضياع المستقبل المأمول، يقول: "هذا الفقدان العاطفي الكبير يؤدي إلى مشاعر شديدة من اليأس، بينما تبقى الكثير من التساؤلات حول كيفية مواجهة تحديات الحياة في المستقبل".
ويضيف: "مستقبل هؤلاء الشباب بات مجهولًا في ظل حالة الحرب المستمرة. من الضروري تكثيف الجهود لدعمهم نفسيًا واجتماعيًا"، ملفتًا إلى أن الدعم النفسي المطلوب يشمل توفير الرعاية للتعامل مع الصدمات الناتجة عن فقدان الأحبة ودمار المنازل، "بينما يشمل الدعم الاجتماعي توفير فرص للتعليم والعمل في المستقبل".
ويؤكد الشاعر أن الشباب في غزة بحاجة إلى رؤية جديدة لحياتهم، مشيرًا إلى أن هذا يتطلب تكاتف الجهود المجتمعية لتوفير بيئة مناسبة تتيح لهؤلاء الشباب استعادة الأمل والعمل على إعادة بناء حياتهم، بحيث يكون لديهم الفرصة لتحقيق أحلامهم في المستقبل.
