غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"دفنّا الشهداء في الشوارع والطرقات بملابسهم.. كما هم، وبدون أكفان"، شهادةٌ مدوّية أدلى بها المتطوع بتكفين الشهداء في شمالي قطاع غزة أبو محمد لـ"نوى".
نعم، بعد 15 يومًا من اجتياح الاحتلال الإسرائيلي لمناطق الشمال في قطاع غزة، نفدت الأكفان في مستشفيي كمال عدوان والأندونيسي بسبب أعداد الشهداء الهائلة. بدأ الأهالي يدفنون شهداءهم مكفنين بأغطيةٍ مزّقتها الصواريخ داخل البيوت المدمّرة، أو بأكياس نايلون "إذا توفّرت".
يخبرنا أبو محمد: "اضطررنا لاستخدام أي قطع قماش من أثاث البيوت. أغطية، ومفارش وستائر! حتى التكفين بالطرق الشرعية والرسمية، حرم منها الشهداء".
القهر لا يتوقف إلى هنا. "فحين حين ترى قطعة من روحك مكفنة برفقة آخرين في كيس نايلون واحد ستشعر أن العالم كله لم يعد يساوي في نظرك شيء. ستموت -حيًا- بقهرك وغصتك" يزيد، مردفًا بحسرة: "مرة اضطررنا لوضع ثلاث جثث في كيس نايلون واحد، نظرًا لعدم توفر أكياس أخرى".
يناشد الرجل الذي أنهكه الحال في الشمال العالم بأسره، لعله يرسل أكفانًا على الأقل، "يُدفن بها شهداء غزة كما يليق بتضحياتهم" يكمل، متابعًا: "أصبح الكفن أمنية الموت الأخيرة".
ويبدو الوضع في مدينة غزة أهون من شمالها، فقد اضطر الناس هناك لشراء قطع قماش من محلّات الخياطة، واستخدموها لتكفين الشهداء، "إلا أن الكمّيّات على وشك النفاد" كما يروي أبو محمد.
متطوعٌ آخر في تكفين الشهداء بمستشفيي الشفاء والمعمداني، ويدعى أبو العبد، قال لـ"نوى": "اضطررنا لتكفين الشهداء بأقمشة موصولة بعضها ببعض، وفي معظم الأحيان تكون قطعة القماش الموصولة بارزة أثناء الصلاة عليهم"، مضيفًا بحرقة: "ما باليد حيلة، لا توجد أقمشة كافية للتكفين بالطرق الصحيحة".
أما الكارثة الكبرى حين تكفن الشهيدة بقطعة قماش واحدة، ومن المفترض أن يُكفن بسبع قطع، يتابع أبو العبد: "حين كانت الأكفان متوفرة، كنا نكفن الشهيد بثلاث قطع من القماش، لكن بعد ثلاثة شهور من الحرب نفدت الكمية، واضطررنا لتكفينه بقطعة واحدة فقط لستر العورة".
وتزداد حدة تبعات انعدام الأكفان بعد كل انسحابٍ إسرائيليٍ من منطقةٍ ما، حيث يبدأ المواطنون بانتشال الشهداء. يقول محذرًا: "مع نهاية هذا الشهر، ستنعدم الأكفان بشكل كامل من غزة".
في جنوب ووسط القطاع، فكميات الأكفان التي كانت متوفرة نفدت جميعها
أما في جنوب ووسط القطاع، فكميات الأكفان التي كانت متوفرة نفدت جميعها، يقول المتطوع في تكفين الشهداء بمستشفى شهداء الأقصى حامد الملاحي لـ"شبكة نوى": "لا ندري ماذا نفعل حين يقصف الاحتلال ويرتكب مجزرة جديدة، أعداد الشهداء يكون كبيرًا، ولا يوجد لدينا ما نكفّن به".
وأضاف: "اضطر الأهالي لدفن أبنائهم الشهداء كما هم، أما الموتى بشكلٍ طبيعي، فكنا نبلغ ذويهم بضرورة جلب أغطية لتكفينهم بها".
وأوضح الملاحي أن كمية المساعدات من الأكفان التي كانت تدخل إلى قطاع غزة قبل الإغلاق الأخير استُهلكت كلها، مشيرًا إلى أنهم طالبوا جميع المؤسسات المعنية بسرعة إرسال أكفان، "لكن لا استجابة حتى اللحظة" يستدرك.
ويقول الملاحي: "من الوجع والقهر أن يصبح الكفن مطلبًا، وأن نتوسل للعالم كي يدفن شهداءنا كما شرع الله".
