غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على بسطة صغيرة في سوق دير البلح وسط قطاع غزة، ارتسمت البسمة على وجه النازحة منى الأشقر بعدما وجدت "دواءً" لابنتها التي تعاني من "الأكزيما"، وتفاقمت بسبب استخدام المنظفات محلية الصنع.
تشير الأم، إلى أنها لم تترك صيدليةً في مناطق جنوبي القطاع كافة، لم تبحث فيها عن مرهم "ديرموفيت" الفعّال، الذي يخفف آلام والتهاب الجلد بزمنٍ قياسيّ.
عاجلها البائع التي تعرف اسمه، ورمزت إليه بـ(أ. ك) بطلبه (40) شيكل كاملة دون نقصان، ثمنًا لإصبع المرهم، فلم تجد إلا دفعها حلًا لتأخذه، رغم محاولاتها الحثيثة تخفضة الرقم.
وحال إغلاق دولة الاحتلال الإسرائيلية معابر قطاع غزة، بين المواطنين واحتياجاتهم كافة، وعلى رأسها الدواء، الذي فُقد في المراكز الصحية، وصار شحيحًا في الصيدليات الخاصة أيضًا.
تقول الأشقر، النازحة من مدينة غزة إلى مدرسة إيواء غربي دير البلح وسط القطاع: "تفاقمت حالة ابنتي مع نقص الفيتاميات والغذاء، وتردّت تمامًا استخدام المنظفات محلية الصنع، التي يجهّزها مواطنون لا نعرف ماذا يضيفون إليها، ونشتريها لعدم وجود بديل"، مردفةً بقهر: "عندما وجدت الدواء، قررت شراءه من البسطة بأي سعر".
توجهت معدت التقرير إلى البائع الذي دلّتنا عليه "منى"، فسألناه عن مصدر الأدوية، ليجيبنا مصرًا على عدم ذكر اسمه: "قصف الاحتلال مكانًا بالقرب من مستودعٍ للأدوية فتناثرت في الشوارع القريبة، واستطعنا جمع عدد منها لبيعه والحصول على لقمة العيش".
وأضاف: "الطلب الكبير على الأدوية، دفعنا لبيعها بأسعار مضاعفة"، مشيرًا إلى أنهم -باعة البسطات- يوفرون للناس ما لا توفره الآن العديد من النقاط الطبية المجانية أو عيادات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا).
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية في فلسطين، فإن أعدادًا كبيرة من المرضى في قطاع غزة يموتون بسبب فقدان العلاج اللازم ونقص الأدوية، ذلك جراء الحصار الخانق الذي يواصل الاحتلال الإسرائيلي فرضه على القطاع، مع استمرارها في حرب الإبادة الجماعية.
وفي زاوية أخرى من السوق ذاته (دير البلح)، يقف الأربعيني ماجد الهمص على بسطة أخرى للأدوية، حاملًا بيده علبة دواءٍ فارغة لمعالجة الربو، ويبحث عن مشابهٍ لها على البسطة.
ويقول: "تلك الأدوية متوفرة على البسطات بأسعارٍ أرخص من الصيدليات، في ظل الارتفاع الكبير في كافة السلع المتبقية داخل القطاع".
وحول ظروف التخزين غير الصّحية يقول الهمص: "منذ بداية هذه الحرب ونحن نعيش حياة غير صحية، مياه ملوثة، طعام ملوث، هواء ملوث، طحين مسوّس، لن يقف الأمر على الدواء".
ويشير الهمص إلى أن البائع الذي يتوجه إليه دائمًا لشراء بعض الأدوية، لم يكن لديه أيّ خلفية طبية، وقدّم له نصائح عشوائية حول كيفية استخدام "بخاخ الربو"، الذي اقتناه منه.
وأضاف: "كان واضحًا أن البائع مهتمٌ فقط بجمع المال، ولا تعنيه صحة المشترين".
وقد أدّى انهيار المنظومة الصحيّة وتتالي الأزمات إلى انتشار بسطات الأدوية مجهولة المصدر في الأسواق الشعبية، وتُعرض كما تُعرض الخضروات والملابس، وتباع دون وصفة طبية من قِبل أشخاص لا يملكون أيّ مؤهلات طبية.
بدوره، أكد عضو نقابة الصيادلة، إيهاب دبابش، أنّ ظاهرة بيع الأدوية على البسطات في شوارع قطاع غزة غير قانونية وتشكل تهديدًا كبيرًا للصحة العامة.
وقال: "الأدوية المعروضة على هذه البسطات، تفتقر إلى الأوراق الرسمية والمصادر الموثوقة، الأمر الذي يعرض المواطنين للمخاطر الصحية خاصة أن من يقومون ببيعها غير مؤهلين".

وأضاف: "العديد من الأدوية تحتاج إلى تخزين في بيئات مناسبة مثل الثلاجات، خاصة الحقن والقطرات التي تتلف بسبب سوء النقل والتعرض للغبار وتغير درجات الحرارة"، مشددًا على أن نقابة الصيادلة ضد هذه الظاهرة، "لكن الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع حاليًا بسبب الحرب تعيق تنفيذ عمليات التفتيش على هذه البسطات" يستدرك.
وأشار دبابش إلى أن أكثر من 80% من صيدليات القطاع دُمرت، "وقد استغل البعض الظروف الراهنة لإنشاء هذه البسطات في مخيمات النازحين"، موضحًا أن بعض الصيدليات في مناطق وسط وجنوبي القطاع، تعد الوسيلة الأفضل لشراء الأدوية، حيث يتم فيها بيع الأدوية من خلال صيادلة قانونيين ومؤهلين.
وأوضح أنّ نقابة الصيادلة ووزارة الصحة، لا تستطيعان اتخاذ أيّ إجراء ضد هذه الظاهرة بسبب الوضع الحالي، مؤكدًا أنهما ستقفان بحزمٍ ضدها عندما تتحسن الظروف وتنتهي الإبادة.
